من سينتصر أخيراً ليبرالية الشعب أم واقعية السلطة...؟

في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2019 انطلقت أكبر التظاهرات في تاريخ العراق المعاصر، حيث ملأت الحشود الجماهيرية سوح التظاهر في بغداد والمحافظات الجنوبية. لم تأت هذه التظاهرات من فراغ وإنما كانت نتيجة لعقود من البراغماتية السلطوية التي كانت تتذرع بشتى الذرائع لترسخ جذورها في حكم البلاد إلى حد شارفت على أن تكون بُنية فكرية اجتماعية. فقد مر العراق بمجموعة من الحقب السياسية الحاكمة والتي اتسمت جميعها بفكر سلطوي فردي.

فالتاريخ المعاصر لدولة العراق كان قد شهد حكما ملكيا ما بين عامي 1921 و1958 تلاه حكم جمهوري تفرد العسكر فيه بحكم العراق، ثم انتقل تحول التفرد بالحكم من العسكر إلى حزب البعث حتى عام 2003 حيث أعيد العراق تحت عباءة الاستعمار من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، حيث كانت قد أعدت البديل لنظام صدام حسين من خلال مجموعة من شخوص المعارضة العراقية في بلاد المهجر. ولأجل تمهيد الأرضية وتهيئتها للمرحلة السياسية القادمة، عملت الولايات المتحدة الأمريكية على حل جميع مؤسسات الدولة العراقية القادرة على مسك زمام الأمور في البلاد. فقد قام الحاكم المدني الذي عينته الولايات المتحدة الأمريكية، بول بريمر، بحل الجيش بجميع تشكيلاته وتسريح ضباطه ومراتبه، وحل الأجهزة الأمنية من دوائر الأمن العام ودوائر الاستخبارات والمخابرات.

ومهما اختلفت التسميات فقد توشحت جميع منعطفات التحول السياسي في العراق بخضاب الدم، ولم يكن للشعب العراقي دور فيها عدا عن ثورة العشرين التي كان من أبرز أسبابها ما يلي:

• شهد الناس نظاما للحكم كان يعتبر غريبا عما ألفوه طوال قرون من الحكم العثماني.

• حدوث التضخم النقدي وما أدى من بعده إلى ارتفاع في الأسعار.

• اختيار شيخ واحد من كل منطقة في العراق أو كل عشيرة كبيرة فيه ودعمه بالمال والسلاح وبكل ما يلزمه لكي يكون المسؤول عن الأمن والنظام في منطقته، أي المنطقة التي تخضع لنفوذ هذا الشيخ.

• نقص العدالة والمساواة التي قام الإنجليز بتطبيقها أثناء حكمهم للعراق وعدم التفريق بين السكان وبين كبير أو صغير.

• رعونة بعض الحكام السياسيين ومعاونيهم من الإنجليز والذين تولوا مناصب الحكم في ألوية العراق وأقضيته.

من الواضح أن أسباب ثورة العشرين نبعت من الفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتفشي الفساد الإداري في النظام الحاكم. فلقد كان الاستعمار الإنجليزي يسعى إلى بسط نفوذه في العراق من خلال سياسة العصا والجزرة دون النظر إلى مصالح الشعب العراقي. فسياسة التهنيد التي اتبعها الاستعمار البريطاني كانت بغرض تكريس تبعية المجتمع العراقي العربي المسلم لسياسات دولة استعمارية لا تمت للمجتمع العراقي بأية صلة، سواء أكانت لغوية أم دينية أم ثقافية أم اجتماعية، مما عمل على توليد رد فعل اجتماعي رافض ومناهض.

وبسبب اختلاف الثقافات بين العراقيين والإنجليز، فقد كان لنظام الحكم الإنجليزي أثر كبير على غالبية العراقيين الذين لم يعتادوا على ذلك النظام بعد قرون من حكم نظام الدولة العثمانية. وعلاوة على ذلك، فقد كان للفشل الاقتصادي المتمثل بالتضخم النقدي وارتفاع الأسعار أثر تحفيزي للثورة على الواقع، خاصة في ظل التوزيع غير العادل للسلطة والمال بين أفراد المجتمع وضعف مراعاة العادات والتقاليد المجتمعية وتفشي الفساد الإداري.

ونظرًا لصعوبة التأقلم مع هذه المجموعة العقدية لتداعيات الاستعمار الإنجليزي، فقد سعى الإنجليز لتدارك الأمر من خلال إعطاء العراق فرصة لحكم نفسه بنفسه من خلال نظام ملكي يحظى فيه الملك بالمقبولية لدى عامة الشعب، حيث اعتلى عرش العراق ملكا عربيا هاشميا تجله غالبية الشعب العراقي من سنة وشيعة. ولأجل الابتعاد عن الإسهاب في الحقبة الملكية في العراق، سيكون عهد الملك فيصل الثاني مثالًا جيدًا عن النهج الواقعي للسياسة الداخلية للسلطة الملكية الحاكمة. فعلى الرغم من قصر فترة حكم الملك فيصل الثاني إلا أنه شكل 10 وزارات خلال فترة حكمه وقمع المظاهرات والإضرابات بالرصاص الحي، وكذلك ألغيت امتيازات صحف وأغلقت نقابات وحُضِرت الاحزاب ومُنعت المظاهرات وفُرضت الاحكام العرفية.

وبهذا يمكن الاستنتاج أن سياسة القوة كانت هي النهج السياسي المتبع في عهد الملك فيصل الثاني من أجل تحقيق مصالح النظام الحاكم واستمرارية بقائه، فكان لا بد حينها أن يتشح المشهد السياسي بوشاح القطبية السياسية القائمة على حشد القوة لإزاحة الخصم. وهذا ما حصل في تموز عام 1958 حيث تمكن الضباط الأحرار من قيادة انقلاب عسكري دموي سيطروا من خلاله على مقاليد الحكم وقتلوا الملك وغالبية أسرته لينقلوا العراق بعدها من الحكم الملكي إلى الحكم الجمهوري. ولكن هل عملت هذه الانتقالة على بناء مناخ سياسي داخلي قادر على تلبية طموح ثوار العشرين؟

بدأ العهد الجمهوري في العراق بتولي الفريق الركن محمد نجيب الربيعي لرئاسة مجلس سيادة العراق وكان الزعيم عبد الكريم قاسم رئيسا لوزرائه حتى شباط عام 1963، حيث أعفي رئيس مجلس السيادة من منصبه وأعدم الزعيم عبدالكريم قاسم بانقلاب عسكري قاده القوميون والبعثيون ليتسلم زمام الأمور الفريق أول ركن عبدالسلام عارف، والذي قتل بحادث تحطم طائرة. إلا أن بشائر ميل السياسة الداخلية بالعراق إلى الفكر الليبرالي قد تجسدت في عهد الرئيس عبد السلام عارف.

فلم يُذكر عنه إعدام مناوئيه السياسيين، بل أنه كان يميل إلى التسامح واعطاء الحريات وكان ميالاً للامركزية بالحكم. وقد تحقق في عهده العديد من الإنجازات على المستوى الداخلي والخارجي.

إلا أن القدر لم يمهله كثيرا حيث «توفي على أثر سقوط طائرة الهيلكوبتر السوفيتية الصنع طراز ميل موسكو في ظروف غامضة حيث كان يستقلها هو وبعض وزرائه ومرافقيه بين القرنة والبصرة مساء يوم 13 أبريل (نيسان) 1966 وهو في زيارة تفقدية لألوية (محافظات) الجنوب للوقوف على خطط الإعمار وحل مشكلة المتسللين الإيرانيين». وبعد مقتله شغل منصب رئاسة الجمهورية العراقية الحقوقي والسياسي عبد الرحمن البزاز لثلاثة أيام فقط، ثم عقبه على كرسي حكم العراق عبد الرحمن عارف والذي كان أحد الضباط الذين شاركوا في ثورة تموز عام 1958.

ولم تتميز فترة حكم الرئيس عبدالرحمن عارف سوى ببعض الإنجازات المحدودة والمكملة لما بدأه شقيقه الراحل عبد السلام عارف. غير أن «أكثر ما عرف عنه تسامحه ومحاولاته في فسح المجال لمعارضيه بنوع من الديمقراطية فأسس ما يعرف بالمجلس الرئاسي الاستشاري الذي ضم عدداً من رؤساء الوزارات السابقين كان يعد بعضهم من الخصوم». وانتهى حكم الرئيس عبدالرحمن عارف في تموز عام 1968 عبر انقلاب سياسي قاده البعثيون حيث داهموا القصر الجمهوري وأجبروا الرئيس عارف على التنحي ومن ثم تم نفيه إلى إسطنبول.

بعد ذلك تسنم اللواء أحمد حسن البكر سدة الحكم في العراق. وقد كان البكر أيضا أحد ضباط ثورة تموز عام 1958. وقد شهد العراق خلال فترة حكمه ازدهارا اقتصاديا وتعليميا، كما شهدت فترة حكمه تأميم النفط وإعلان الحقوق الثقافية للأكراد تحت مسمى اتفاقية الحكم الذاتي. وفي تموز عام 1979 أُجبر الرئيس أحمد حسن البكر على الاستقالة، حيث تسلم المنصب منه نائبه صدام حسين المجيد. «وصل صدام حسين إلى رأس السلطة في دولة بعث العراق، حيث أصبح رئيسًا لجمهورية العراق وأمينا قطريا لحزب البعث العربي الاشتراكي عام 1979 م بعد أن قام بحملة لتصفية معارضيه وخصومه في داخل حزب البعث بدعوى خيانتهم للحزب».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد