مع بداية العصر الصناعي وتركز البشر في المدن الكبيرة المكتظة والمعبأة بالسكان في شوارعها المزدحمة وبناياتها الشاهقة، بدأ علماء علم النفس في دراسة سلوك البشر في الزحام، وملاحظتهم تميز تصرفات قاطني تلك المدن بقلة الشعور بالمسئولية، وميلهم لطريقة الحشد السائد الذي يستبدل تصرف الفرد الواحد في حياتهم اليومية.

يقسم العلماء الحشود من البشر إلى حشد فعال «الغوغاء»، وحشد سلبي «المستمعون»؛ ما يجذب الاهتمام أن الناس يتصرفون بشكل أميل إلى البدائية، وتنزلق إلى الدرجات الأولى في سلم الحضارة في سلوك الغوغاء، مثال بسيط هو تسابق ركاب المترو، وتدافعهم عند أوقات الذروة التي تجعلهم يشعرون بالهلع، وينسون لباقتهم وتحضرهم في سبيل البحث عن مصلحتهم الشخصية في أسبقية الركوب المهددة بالضياع إن لم يتسارعوا ويتدافعوا لحجز الأماكن.

يرتبط هذا التصرف بنظرية «العدوى» التي تنص على أن الحشد يجعل أو يجبر الفرد على التصرف بشكل معين شبيه بتأثير التنويم المغناطيسي أو السعار المعدي كأنه مرض، كل هذا يدفع الانسان إلى تصرفات غير عقلانية وعنيفة في بعض الأحيان. على النقيض نجد نظرية «التقارب» تنص على أن الاشخاص الذين يتصرفون بشكل متشابه يتجمعون مع بعضهم؛ ليكونوا حشدًا، هذا الحشد لن يصبح فعالًا، إلا عندما يصل لما يسمى بالكتلة الحرجة، المثال على ذلك هو تجمع عدد من العمال للقيام بمظاهرة للمطالبة بحقوقهم أو تجمع كتلة من الشعب للقيام بثورة.

يفسر عالم النفس الشهير «سيجموند فرويد» سلوك الحشود على أن كون الإنسان عضوًا في حشد يساعد في تحريرعقل اللاوعي، حيث تزيح أعداد الحشد الكبيرة مركز الأخلاق أو «الأنا – العليا» في المخ، وتجعل تأثير الخطابات العاطفية أو الحماسية أكثر تأثيرًا وانتشارًا بين أفراد الحشد، وكذلك التصرفات الجماعية.

هناك فيديو على شبكة الانترنت أخذ من كاميرا مراقبة لفتاه في الصين دهستها سيارة وهربت تاركة الفتاة ملقاه في عرض الشارع، ويمر بجانب الفتاه أكثر من ثمانية أشخاص غير مبالين بها، وهي ساقطة على الأرض، ومنهم من وقف ليلقي نظرة، ثم استكمل طريقه إلى أن لاحظها عامل ما وإزاحتها جانبًا عن الطريق، ثم طلب النجدة، بالتأكيد هذا مثال صارخ لقلة الشعور بالمسئولية والسلبية التي جعلت البشر أشبه بروبوتات بلا مشاعر، فرضها عليهم سلوك الزحام في أكثر دول الأرض سكانًا.

على صعيد محلي، نجد شوارع العديد من المدن المصرية تحولت إلى مهرجان من الفوضى، وكأنك تعيش في «مومباي»، حيث لابد وأن يشغل شيء أو شخص ما كل موضع فراغ على سطح الشارع، ولا يوجد نظام من أي نوع، كل هذا يساعده زيادة الكثافة السكانية المباركة بقلة التقدم الحضاري للشعوب التي تجعل السيطرة على الفوضى وتحويلها لزحام منظم شديدة الصعوبة على سلطات وحكومات تجاهد أصلا في إدارة البلاد المتخمة بالمشاكل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الزحام
عرض التعليقات
تحميل المزيد