شهدت العلاقات بين الصين والولايات المتحدة توترات غير مسبوقة، وصفت بالأسوأ منذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قبل أكثر من أربعة عقود. فخلال الأشهر الماضية ارتفع سقف التصعيد إلى حد إغلاق متبادل لمؤسسات دبلوماسية، والتلويح بقطع العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم، إلى جانب فرض عقوبات سياسية وتجارية، وتبادل الاتهامات الصريحة بشأن العديد من الملفات والقضايا، سواء فيما يتعلق بنشأة فيروس كورونا المستجد وطريقة التعامل مع الوباء، أو فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان في كلا البلدين.

ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في والولايات المتحدة، والمقررة في شهر نوفمبر المقبل، بدأ الصراع يأخذ منحى آخر، ففي أواخر أغسطس (آب) الماضي، شهد بحر جنوب الصين، استعراضًا للقوة، حيث أرسلت الولايات المتحدة سفينة حربية إلى المنطقة بحجة الحفاظ على حرية الملاحة، وذلك قبل أن تجبرها قوات البحرية الصينية على التراجع، فيما بعد حلقت طائرة استطلاع أمريكية فوق تدريبات عسكرية صينية، وهو الأمر الذي اعتبرته بكين انتهاكًا خطيرًا لأمنها وسيادتها.

بالرغم من خطورة التطورات الأخيرة، والمخاوف التي أثارتها من انزلاق الدولتين النوويتين نحو حرب لا تبقي ولا تذر، فإن ما تصدر وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة في هذا الصراع، هو التراشق الإعلامي بين الجانبين، حيث كان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، رأس الحربة في هذه المعركة الخاصة، فيما تصدى من الجانب الصيني المتحدثون باسم وزارة الخارجية، عبر إفاداتهم اليومية أو حساباتهم الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وبحكم عملي في مجال الصحافة بالصين، وتغطيتي اليومية لمؤتمرات المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، لفت انتباهي تصدر اسم وزير الخارجية الأمريكي لمعظم التصريحات الصحافية، إلى حد أصابني بالملل.

لذلك قررت أن أخوض تجربة حسابية، فقمت برصد عدد المرات التي ذكر فيها المتحدث الصيني، اسم بومبيو، في مؤتمراته الصحافية.

فوجدت أن اسم وزير الخارجية الأمريكي تكرر في شهر أغسطس الماضي، 23 مرة، في 21 مؤتمرًا صحافيًا.

أما في سبتمبر (أيلول) الماضي، فحتى منتصف الشهر، ذكر اسم بومبيو 24 مرة في 12 مؤتمرًا صحافيًا، أي بمعدل مرتين في المؤتمر الواحد.

توجيه رسمي

كان لافتًا من خلال اطلاعي على أسئلة الصحافيين في المؤتمر الصحافي اليومي للمتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، أن جميع الأسئلة التي تمحورت حول وزير الخارجية الأمريكي، طرحت من وسائل إعلام صينية، أي أن هناك توجيهات رسمية بمهاجمة بومبيو، وتفنيد اتهاماته وتصريحاته المسيئة للصين.

وما عزز هذا التوجه قيام المكتب الإعلامي التابع لمجلس الوزراء الصيني، بإصدار كتاب أبيض بعنوان «أكاذيب الفم والحقيقة حول خطاب بومبيو تجاه الصين» وورد في الكتاب، بأن وزير الخارجية الأمريكي يتجاهل التاريخ ويحتقر الحقائق وتسيطر عليه عقلية الحرب الباردة.

في المقابل، خلت جميع المؤاتمرات الصحافية، سواء للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أو المتحدثين باسم زارة الخارجية الأمريكية، من ذكر أسماء قيادات صينية، مثل الرئيس الصيني شي جين بينغ، أو رئيس الوزراء لي كه تشاينغ، أو وزير الخارجية وانغ يي، وقد تركز الهجوم الأمريكي على الصين كدولة، أو على الحزب الشيوعي باعتباره الحزب الحاكم في جمهورية الصين الشعبية.

دلالات ذلك

ما تقدم يشير إلى أن بكين لا ترغب في استعداء الولايات المتحدة، وتتعامل مع الإدارة الأمريكية الحالية، كإدارة عابرة لا تمثل السياسة الخارجية الأمريكية كنهج ومسار إستراتيجي، وقد بدا ذلك واضحًا في افتتاحية سابقة لصحيفة «جلوبال تايمز» الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني، فصلت فيها أثناء تناولها للصراع، بين إدارة ترامب، وتوجه الولايات المتحدة، ما يشير إلى أن لدى القيادة الصينية قناعة راسخة بأن العداء الراهن ضد الصين قد ينتهي مع خروج ترامب من السباق الرئاسي، على اعتبار أن نهج الرئيس الأمريكي طارئ على العلاقات بين البلدين، ولا يمثل إستراتيجية الولايات المتحدة التي لديها مخاوف دون أدنى شك من صعود الصين، لكنها إلى ترتقي إلى حد مواجهة عسكرية محتملة.

أما واشنطن، فإن تصعيدها الأخير مرتبط بظرف استثنائي تمر به البلاد، يستدعي استخدام الصين شمّاعة لتعليق الإخفاق في التعامل مع جائحة كورونا، وقطع الطريق أمام الديمقراطيين لاستخدام ذلك ضد إدارة ترامب، في السباق المحموم نحو البيت الأبيض.

على ضوء ذلك يمكن فهم سبب إقدام الإدارة الأمريكية على اتخاذ أكثر من 50 إجراء ضد الصين في أقل من 90 يومًا. وهو رقم غير مسبوق في تاريخ العلاقات الدبلوماسية بين الدول، إذ لم يحدث مثل هذا الأمر حتى أثناء الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد