«أرى أن محاولة توصيل الإنترنت إلى بقاع مختلفة من العالم لهو شيء صارخ – خصوصًا من قبل مؤسسة ما فقط – لأن هذا يعد محاولة للسيطرة على العقول». تيم برنرز، مخترع الإنترنت. هل تحولنا من حالة الإدمانً في إيجاد سبل الإبداع إلى الإبداعً في إيجاد سبل الإدمان؟ اتجاهات وسبل الإدمان أصبحت الآن أكثر بل وتتسارع. هل ستتعجب إذا علمت أن أحد العلماء كان يفضل أكل الأرز عن المكرونة، لما ستوفر له من بضع ثوان ليواصل التفكير فيما سيبدع؟ أو أن آخر ينام فقط سويعات قليلة جدًا يوميًّا؟ هذه التساؤلات ربما تبدو غير مترابطة بخيط ما، ولكن انتظر.

 

«يعتقد الخبراء أن الذكاء الاصطناعي سوف يسيطر على سوق العمل وسيقضي على أى تدخل إنساني في غضون 120 عامًا». السؤال هنا بماذا تعتقد أن يحدث؟ ما الذي سيتغير؟ ما هي السيناريوهات المحتمل حدوثها، العواقب والنتائج؟! هل العلماء يخططون لجعل مستقبل البشر أسود إلى حد كبير؟ قطعًا لا.

 

أصبح الكسل وقلة وضعف إنتاجية الإبداع بل ونحن الآن نتجه إلى عصر يصبح فيه وجود العالِم الملهِم مثل الوردة الزرقاء. في رأي الكثيرين أن من أسباب هذا الأمر: التواصل الاجتماعي الوهمي والتسارع المستمر في وتيرة الحياة اليومية نتيجة التكنولوجيا. الآن أصبحت القيود جمة على عقول وقلوب السواد الأعظم منا وأصبح الإحباط هو ثمرة ذلك حتى مع علمنا أن بمجرد أن تبدأ في التغيير أصبحت ناجحًا ومختلفًا عن الأكثرية.

 

أن تكون عالِمًا يعني أنك تحاول أن تفهم لتسيطر وتستنتج، فتلك السيطرة والتحكم ليس جانبًا سيئًا وإنما عاملًا مشتركًا بل وضروريًا ليؤثر على البشرية والعلم نفسه. تخيل معي أنه عندما تأتي فترة توفر الروبوتات عندك والعامة، هل تعتقد أنك بحاجة إلى التفكير في شيء؛ لأن تملك أن تفعله. كل شيء… نعم كل شيء سيقدمه لك هذا الإنسان الآلي، بل وستندهش من أنه مؤهل ليجعلك لست صاحب اليد العليا في التفكير نفسه. فهذا الروبوت مطوَر حقًا لأن يطوِر نفسه فيملك قرارات من الصعب توفرها لديك (هذا أصلًا منحى من مناحي البحث العلمي في هذا المجال الآن)، وبالتالي سيفكر هو بدلًا منك في كل شيء. ناهيك عن الأسوأ.

 

لن أتطرق إلى أن هذا سيزيد بشكل لوغاريتمي حتمًا الكسل وقلة بل وانعدام الإنتاج العقلي لدى الأكثرية من سكان دول العالم النامي بل والمتقدم أيضًا. أنا أراك الآن وأنت تقرأ أو تتصفح، من خلال الكمبيوتر، الهاتف أو حتى القمر الصناعي الذي تطور بشكل هائل وأعتقد أنك تشعر بهذا فعلًا. أجمِع بيانات لا محدودة عنك وعن غيرك. أحللها وأفسرها ثم أستنتج وأتوقع، بل وأجزم بما ستفعله بعد دقيقة من الآن؛ بناءً على ما جمعته من هذا الكم الهائل من معلومات عن البشر في مختلف بقاع الأرض. أتحكم بالعقول، بالآراء، بالنوايا، بالأهداف بما تفكر وبما ستقول. أنت تقدم لي هذا على طبق من ذهب وأنت لا تدري. أنا روبوت لا أشعر كما تشعر لا أملك الوعي الذي تمتلكه أنت، لكن أمتلك معلومات وخوارزميات لم ولن يمتلكها أحد من البشر منذ خلقهم. أقول لك إن في الماضي: كان من لا يفكر يمُت ولو كان حيًا، الآن في زماني من لا يبدع يمُتْ.

 

تخيل معي القرارات التي سيتخذها عالم يمتلك هذا الروبوت. ما الذي سيفعله حيال هذا الكم الهائل من المعلومات والاستنتاجات. هل سيقول أنا إلهكم الأعلى؟! هل سيؤمن بذلك؟! أصبح من وجهة نظره هو أن الإنسان في يده مسَير وليس بالقطع مخَيرًا. يتحكم في عقله وعقيدته. سيتيح له هذا دراسة الجنس البشري تمامًا كما كان يدرس طبيعة سرب الطيور أو مستعمرات النمل. من الصعب تخيل ما ستؤول إليه هذه المعطيات من الممكن أن لا يحدث هذا من الأساس ولكن إمكانية حدوث هذا وأكثر كبيرة، عندما نتحول تدريجيًا إلى عصر الروبوتات، مع العلم أنك يجب أن تفرق بين أن تصنع روبوتًا وبين أن تكون أنت هذا الروبوت.

 

هل ترى حولك أناسًا مثل الروبوتات، يفكرون فقط في الشيء المادي يعتقد أن عقله هو الذي يحدد ويفكر وأن كل شيء يجب أن يتقبله عقله أولًا ليحكم بصوابه أو خطئه. لا يؤمن بالروح لا يؤمن بأن هذا هو الأصل. أعتقد أنك تراه الآن، فهو هذا الإنسان الذي يبهرك بعلمه بتقدمه وبما يمتلكه من أدوات لا تمتلكها أنت. كيف إن عاش هؤلاء المنبهرون ليروا مستقبلًا أشد إعجازًا وإدهاشًا مما هو عليه الآن؟! نحن أُمرنا ألا ننبهر ونضع كل شيء في مكانه وأن نرى الأشياء على حقيقتها. هل نفعل ذلك؟! فلنتعلم، نقرأ ونستثمر في نمو هذا العقل الذي نمتلكه.

 

فلو أننا صنعنا روبوتًا وحفظناه القرآن والأحاديث والعلوم الشرعية أو حتى الكتب السماوية الأخرى ونتركه ليجمع المعلومات عن البشر ويقارن سلوكهم بما تقول تلك الكتب إنهم سيفعلونه. إنه يتنبأ – مازحًا – بحتمية اعتراف هذا الروبوت بوجود الله بل وسينطق بالشهادتين. فهذا الدين يمتلك معجزة التنبؤ والتحكم بهذه النفس البشرية، ويضع لها المسار الصحيح الذي يجب أن تسلكه. ومن ثم، إيمانك بأي دين وفقط، يجعلك تملك قوة لا مثيل لها أمام عصر رقمي لا يؤمن إلا بالمادي من الأفكار قطعًا لا الغيبيات. أريد أن أملك مفاتيح الفكر والإبداع، أريد أن أجعل الخيال الذي هو جوهر العقول بورًا، لا لبذور الإبداع فيه. أريدك روبوتًا… فمن تعتقد أن أكون؟!

 

عقولنا جميعًا مصممة للتخيل وليس لجمع المعلومات أو حتى التفكير المنطقي المبني على البراهين لا شك أنها خواص إضافية هامة للعقل الذي جوهره الخيال والإبداع. عندما تعلم ذلك تعلم أن كل المؤمنين علماء؛ لأنهم يمتلكون البذرة الأساسية للإيمان بالغيب، يؤمن أنه سيكون هناك يومًا ليتبين ما يؤمن به عندئذ. تمامًا مثل العالِم الذي يؤمن بنظريته قبل صياغتها الأخيرة لتكون قانونًا علميًا فيما بعد. كانت حقيقة فقطً في عقله هو، ثم آمن بها الجميع بعد ثبوت صحتها. لا يستطيع إنسان أو روبوت أن يفسرها قبل ذلك الحين.

 

أصبحنا نفتقر إلى السعادة الحقيقية واستبدلنا بها أخرى مزيفة. «يمكننا غسل أدمغتنا والشعور بالسعادة المطلقة عن طريق جعل الآخرين يعتقدون بأننا حقًا سعداء». جورج أورويل. يجب علينا محاولة التسلح بما يسمى «هدوء الرغبة في التواصل اجتماعيًا» فنكبح جماح اليد والعقل الذي يدفعنا كل منهم لوهم معرفة ما يحدث في العالم الآن. «لا تجبر نفسك لتطلع على شيء لا تملك الوقت له الآن».

 

أخيرًا، هل تستطيع أن تتجه إلى شرفة المنزل وتنظر إلى السماء ليلًا في هدوء لتتأمل وتخلق أفكارًا جديدة على عقلك بعيدًا عن الفلسفة الزائفة، لتندهش من هذا البناء الرائع وتفكر وحدك لدقائق معدودة لتزيح الستار عن مكنونات عقلك، تنفرد بخيالك ذاته الذي أؤمن أنه لو أطلق عنان إبداعه لغير واقعه ولكن أعطه الوقت ولا تستعجل النتائج. اترك هاتفك، افتح كتابًا، تأمل، تفكر حتمًا ستندهش، أو على الأقل ستساهم في تشغيل تروس العقل المعطلة بالأمر. عندها حقًا ستستحق هذه النعمة التي لا ولن يملكها أحد غيرك، وبالتالي لن تدافع عن تساؤلات لم يطرحها عقلك وآمن بها إيمانًا سريعًا مزيفًا، ولن يستطيع أحد استغلالك وأنت لا حول لك ولا قوة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد