العَمْيَاءُ تَعِظ

إِنْ أَفْضَل طَرِيقة وَأُحْسنهَا هِيَ أَنْ نَعِيشَ كُلَّ يَوْمٍ كَمَا أَنْنَا سَنَمُوتُ غَدًا؛ هَكَذَا تعظنا هلِين كيلر فِي وَاحِدَة مِنْ أَصْدَق مَقَالَاتِهَا «لَوْ أَبْصَرْتُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ»، بِحِكمِة جَدِيرَة بِأَنْ تصبح مَبْدَأ رَاسِخًا مِنْ مَبَادِئِ السَّعَادَةِ، وَلِمَنْ لَا يَعْرِفُ هلِين كيلر؛ فَهِيَ امْرَأَةٌ أُصِيبَتْ فِي سِنٍّ صَغِيرَةٍ بِمَرَضٍ أَفْقَدَهَا نِعْمَتَيْ السَّمْعِ وَالبَصَر، كَمَا سَلَبَهَا أَيْضًا القُدْرَة عَلَى الكَلَام، لَكِنَّهَا تَغَلَّبَتْ عَلَى ظُرُوفهَا وَسَلَكَتْ طَرِيقًا ابتدعته لنَفسهَا، مَكَّنهَا فِيمَا بَعْد مَنْ أَنْ تُصْبِحَ وَاحِدَة مِنْ أَشْهرِ الكِتَابِ فِي زَمَانِهَا بَلْ صَارَتْ قِصَّةً حَيَاتهَا وَاحِدَة مِنْ أَفْضَلِ قِصَصِ النَّجَاحِ الملهمة الَّتِي عَرفَهَا التَّارِيخُ.

الخَيَّالُ تجرِبة:

تخيِّل أن آخِرَ يَوْم لَكَ هُوَ مَا تَحياهُ الآنَ، وَأَن آخرَ لَحَظَاتِكِ بَاتَتْ تُحْصى بَيْنَ يَدَيْكَ، مَاذَا سَتَفْعَلُ وَمَاذا سَتَتَمَنَّى؟ بِالطَبْعِ سَتَتَغَيَّرُ نَظْرَتُكَ لِلحَيَاةِ، سَيَتَبَدَّلُ إِحْسَاسُكَ تجَاه مَا خَسرْت، وَتجَاه مَا تَخْشَى فقدَانَهُ، سَيَتَحَوَّلُ قَلَقُكَ مِنْ المَجْهُولِ إِلِّى لَا شيء. حتمًا لَنْ تَنْشَغِلَ بِشيء بِقَدْرِ اِنْشِغَالِكَ بِأَنْ تُسْعِدَ نَفْسَكَ فِي اللَّحَظَاتِ الأَخِيرَة، سَتَبْذُل كُلَّ مَا بِوُسْعِكَ كَيْ لَا يضيع مَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِكَ هباءً، فَهَا هُوَ آخر أَيَّامكَ يَمْضِي وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ سَيَكُونُ المَصِيرُ، لَمْ يَعُدْ لَدَيْكَ مَا تَخْسَرُهُ إِذَن فَلَا سَبِيلَ أَمَامَكَ إِلَّا أَنْ تَضَعَ الدُّنْيَا جَانِبًا غَيْرَ عَابِئ بِإِلَى أَيْنَ يمكن لِلظُّرُوفِ أَنْ تَصِلَ.

التَّنَاقُضُ وَالوَاقِعُ:

قَدْ تَنْتَابُكَ بَعْضُ الأَحَاسِيس المُخْتَلِفَة، كَالنَّدَمِ عَلَى تِلْكَ الأَوْقَاتِ الَّتِي أٌهدِرت فِي الاِنْشِغَالِ وَالتَّعَمُّق فِي الحَيَاةِ وَمَشَاكِلِهَا أَوْ الرَّغْبَة وَالأَمَل فِي حَيَاةٍ أُخْرَى تَبْدَأُ فِيهَا مِنْ جَدِيدٍ، تَعِيشُهَا لِنَفْسِكَ، تهَنأُ بِكُلِّ أَوْقَاتِهَا وَتفْعَلُ مَا لَمْ تَفْعَلْهُ فِي سَبِيل سَعَادَتكَ، لَكِنْ كالعادة تُدْرِكُ قِيمة الأَشْيَاء بِمُجَرَّدِ فِقْدَانِهَا؛ وحِينهَا فَقَطْ سَتُدْرِكُ مَعْنِى الحَيَاةِ الحَقِيقِي وَسَتَعْرِفُ حَقَّ المَعْرِفَةِ أَن مَا كَانَ بِهَا وَمَا سَيَكُونُ مَا هُوَ إِلَّا لَحَظَات زَائِلَة سَوَاءً طَالَتْ أَوْ قَصرَتْ.

مَا عَلَيْكَ:

يَوْمُكَ يَوْمُكَ؛ هَكَذَا يَجِبُ أَنْ تَعِيشَ أَوْ هَكَذَا يَجِبُ أَنْ تَصِيرَ نَظْرَتكَ لِلحَيَاةِ، أَنْ تَقْضِيَ حَيَاتَكَ يَوْمًا بِيَوْمٍ، أَنَّ تَنسى المَجْهُول وألا تَجْعَل خَوْفَكَ مِمَّا تَخْبِئه لَكَ الأَيَّامُ يُفْقِدك حَاضِرَك. فِكْر فِيمَا أَنْتَ سَاعٍ إِلَيْهِ وَاعْمَل لَهُ، لَكِنْ لَا تَظُنّهُ مُنْقِذَكَ وَمَلَاذَكَ الوَحِيدَ فَتُرْهِق نَفْسَكَ بِالقَلَقِ، فَقَدْ يَأْتِي يَوْم تَنَدُّم فِيهِ عَلَى رَغِبَتْكَ فِي شيء لَا عَلَى عَدَم نَيْلِكَ إِيَّاهُ. اجْعَل نَظْرَتَكَ أَعْمَق، فَالسَّعَادَةُ لَيْسَتْ في أن تَمَلك وَتَحْظَى بِالكَثِيرِ مِنْ مُتَعِ الحَيَاةِ وَزِينَتِهَا بَلْ فِي نَظْرَتِكَ تجَاه مَا تَمَلك – وَلَوْ كان قَلِيلاً – وَالرِّضَا بِهِ. لِذَا تَأَكّد أَن نصِيبَكَ سَتَنَالُهُ وَمَا كَتَبَهُ اللهُ لَكَ أَيًّا كَانَت نَظْرَتكَ لَهُ لَا شَكَّ أَنْ فِيهِ خَيْرًا لَكَ وَأَنْتَ لَا تَدْرِي.

حَقِيقَةً لَا تُنْكرُ:

اعْلَمُ أَنَّ مَشَاكِلَ الحَيَاةِ كَثِيرَةً، فَهِيَ تُفَاجِئُك كَثِيرًا بِمَا لَا تَتَوَقَّعُ، لَا تَسِيرُ عَلَى مِنْوَال وَاحِد حَتَّى لَوْ اِعْتَدْتَ عَلَيْهِ رَغْمًا عَنْكَ، فَفِي يَوْم تَفقد عَزِيزًا، وَفِي آخَرِ تَفقِد حلْمًا، تَرْغَبُ فِي شيء وَيَحْدُثُ العَكْسُ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ تَشْعُرَ أَنَّ الرَّاحَةَ لَنْ تَعْرِفَ طَرِيقَهَا إِلَيْكَ، قَدْ يُخَيِّلُ لَكَ أَنَّكَ الوَحِيدُ وَأنَّ الظُّرُوفَ تَحول بَيْنَكَ وَبِين مَا تَرْغَبُ، وبين مَا تُرِيدُ وَمَا يَصِيرُ تَفْقِدُ أَنْت نَفْسكَ وَتَبْقَى عَلَى حافة الهَاوِيَة. لِذَا عَلَيْكَ أَنْ تُؤْمِنَ بِأَنَّ الحَيَاة لَا تَسْتَحِقُّ بِكُلِّ مَا فِيهَا، فَمَا هِيَ إلَا لَحَظَات تَتَبَدَّلُ مِنْ حِينٍ لآخِر وَبِين لحَظة وَأخرى نَعْتَادُ عَلَى مَا نُعَايِشُهُ حَتَّى يَتَأَصَّل فِينَا ، يَمْلِكنَا وَنَمْلِكهُ.

بِإِيجَازٍ:

أصْغِ لِمَا تَقُولهُ هلِين كيلر وَتَعلم مِنْ فَاقدة الحَوَاس تِلْكَ مَعْنى الحَيَاةِ، اقْتَد بِمَنْ فَقَدت كُلَّ شيء فَصَارَتْ تَعَلَّمنَا كُلَّ شيء، لَا تَعْبُر جِسْرًا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَهُ، فَقَدْ تهدَأ العَاصِفَةُ قَبْلَ أَنْ تبحر، وَلَعَلَّ أَفْضَل قَوْلٍ جَاء مُلَخَّصًا لحَقِيقَة الدُّنْيَا هُوَ قَوْلُ الإمَامِ عَلِي بِنْ أبِي طَالِب حِينٍ قَالَ: «النَّفْس تَبْكِي عَلَى الدُّنْيَا وَقَدْ عَلِمَتْ أَنَّ السَّلَامَةَ فِيهَا تَرْك مَا فِيهَا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد