عند وضع فصل الدين عن الدولة شرطًا لازمًا لتطوير الدولة والمجتمع من قبل العلمانين، يرد بعض الإسلاميين بشكل التفافي بأن هذا الشرط تقريبًا محقق في معظم الدول العربية، التي فشلت رغم ذلك في إنجاز استحقاقها الحضاري، مما يعني بطلان الزعم العلماني، ويعطي للإسلاميين الفرصة للقول بأن هذا الفشل سببه البعد عن الدين، وحله بالعودة للدين أخلاقًا وسلوكًا، ودولةً بالطبع.

واقعيًا القول بانفصال الدين عن الدولة في البلدان العربية هو مبالغة ضخمة، فهذه البلدان تتراوح بين دول لا فصل فيها بينهما كالسعودية وتقريبًا السودان مثلًا، ودول أخرى فيها فصل بدرجة ما كمصر والجزائر والمغرب مثلا، لكن الارتباط بين السلطة والدين، والاختلاط بينه وبين السياسة ما يزال هو الغالب في كل البلدان العربية، فقوانين الزواج والميراث والشهادة القضائية تقوم على الدين، والرجل ما يزال هو الوصي على المرأة بموجب الدين، الذي تصاغ الدساتير والقوانين بالتوافق معه أيضًا، وكذلك تحدد شخصية الحاكم على أساسه.

كما أن رجل السلطة ورجل الدين هما غالبًا متحالفان ويعزز كل منهما سلطة الآخر ويعطيه الشرعية، وأفضل سبيل لمعارضة الحاكم ومنافسته على حكمه ومحاولة انتزاعه منه ما يزال معتمدا على الدين، وما تزال تقوم عليه الجماعات والأحزاب التي تمارس العمل السياسي المباشر أو غير المباشر، وهو أيضًا ما يزال يستغل في الصراعات والفتن والكوارث.

فعن أية علمانية نتحدث؟!

ذاك أولًا، أما ثانيًا، فمن كبير المغالطة أيضًا القول بأن أنظمة الحكم العربي هي دول بالمفهوم الحديث للدولة، التي يعني أنها بنية مؤسسية قانونية، منظمة ومؤسسة لقيادة وإدارة المجتمع وتلبية متطلباته وتطويره، فهذه الأنظمة هي ذات طابع سلطاني تقليدي، وفيها تختلط السلطة بالدين والتقاليد، والقوانين والمؤسسات فيها تغلب عليها الشكلية وتدني مستوى الأداء وضعف الكفاءة والفاعلية.

وفي المحصلة لم ينجح أي من هذا الأنظمة في بناء اقتصاد إنتاجي حديث، ولا في نشر العلم وامتلاك الصناعة والتكنولوجيا، أما المجتمع فما يزال مهيمنًا عليه بالمواريث اللاعقلانية، وتتفشى فيه الذهنية الغيبية والتقاليد الذكورية والانتماءات الطائفية والقبلية والعرقية، هذا ناهيك عن الحجم الكبير للفساد بأشكاله المتنوعة، سواء الإداري أو التنفيذي منه.. بل وحتى الأخلاقي، رغم وجود تفاوتات بين بلد وآخر.

واقعيًا من الممكن إنشاء دولة دينية تدعم العلم والصناعة وفروع الاقتصاد الأخرى، وتحارب الفساد، وتفعّل القوانين والمؤسسات، وتتصدى حتى للمتطرفين.

لكن لابد من طرح الأسئلة عن شكل الحكم الذي ستتخذه هذه الدولة، وعلاقتها بالديمقراطية، وموقفها من قضايا المرأة والاختلاف العقائدي والحريات المدنية، وكيفية مواجهتها للمشاكل المختلفة وهكذا دواليك.

بالطبع الدولة الدينية لا يمكنها أن تكون دولة ديمقراطية فعلية، فالديمقراطية تفتح أبواب التنوع والاختلاف على مصراعيها، وهي تعطي الحرية التامة للمختلفين في الاعتقاد والفكر والنقد والشك، وفي تطبيق وممارسة الاختلاف على أرض الواقع.

لكن هذا غير مقبول دينيًا، لأنه ثمة عقيدة مقدسة، وهي التي تحدد هوامش الاختلاف والممارسة المترتبة عليه، وهذا ينعكس حتى على السياسة، فكل الأطروحات والبرامج السياسية يجب أن تبقى في الحدود المسموح بها دينيًا، وهذا يقلص حجم الاختلاف والخيارات المتاحة في العمل وحل المسائل، فمثلا يمكن لدولة ديموقراطية أن تناور في قضية الضرائب والفوائد المصرفية وفقًا للظروف، وتختار ما هو أنسب، أما دولة إسلامية فلا يمكنها مثلا تجاوز ما تفرضه الشريعة في مسائل الزكاة والربا، مما يجعل خياراتها أقل وأصعب عند مواجهة الأزمات.

والدولة الديمقراطية تعطي دومًا المجال لمراقبة الحاكم واستبداله بآلية منظمة، وبالطبع بمقدور الدولة الدينية أن تستعير من الديمقراطية مبدأ فصل السلطات والانتخاب والتصويت، لكن حدود الاختلاف بين البدائل تبقى أيضًا محصورة في حدود الدين، ووفق قراءة وفهم رجال الدين للدين، الذين يصبحون هنا المرجعية العليا الحاكمة لعمل السياسيين المحترفين والمختصين العلميين، دون أن يكون لدى هؤلاء الدينيين الكفاءة العلمية والسياسية الكافية، هذا ناهيك عن معضلة الارتباط بالماضي وتقديسه والاستمرار في إسقاطه وفرضه على الحاضر.

والأسوأ هو إذا اتبعت الدولة الدينية أسلوب الحكم الفردي، واعتمدت فكرة المستبد العادل، فكل تفرد بالسلطة واستبداد مصيره المحتوم هو الفساد ثم الانهيار.

علمانيًا لا فصل بين العلمانية والديمقراطية في الدولة الحديثة، والديمقراطية ليست مهددة بمخاطر الاستبداد ولا بمحدودية الخيارات، فخياراتها دومًا مفتوحة في حدود الواقع، وليست محصورة في حدود التقليد المقدس.

وبالنسبة لقضية المرأة، فالتعامل الذكوري معها ما يزال محميًا بقوة العرف وقوة الدين، والتقليد الديني المتطرف ما يزال يعتبرها عورة ناقصة عقلًا ودينًا ومكانها الأنسب -إن لم يكن الحصري- هو المنزل، أما الموقف الديني الأكثر اعتدالاً وإن كان ينصفها أكثر، إلا أنه ما يزال يعتبرها غير مساوية للرجل، ويجب أن تكون دومًا تابعة له وتحت وصايته.

بينما علمانيًا تعتبر المرأة مساوية إنسانيًا للرجل، ولها الحق في كل ما له من حقوق وفرص.

وبالنسبة لموضوع الاختلاف، فالمشكلة هنا خطيرة جدًا، فهامش الاختلاف في الدولة الدينية محدود وضيق، والمختلف قد يكون مرفوضًا، أو مقبولاً ولكن دون مساواة، إلا إن فرضها الأمر الواقع، والحالة الأولى تعني إلغاء المختلف والقضاء عليه بدعوى كفره، أما الثانية فتعني الانتقاص من حقوقه أو تهميشه، والثالثة تعني الدخول معه في حالة محاصصة، وكل هذا سيء، فالإلغاء إجرام وهو لا يمر بدون صراع ودمار، والانتقاص والتهميش يخلق الإحساس بالغبن والاحتقان الذي يمكن أن يصل إلى حد الانفجار والصراع، والتحاصص يكرس الطائفية ويضعف أو يقوض اللحمة الوطنية، ويحرم كلاً من الفرد والمجتمع من اعتماد مبدأ الكفاءة العادل واستبداله بمبدأ الحصة الجائر.

وكل هذا غير موجود علمانيًا، حيث تتم المساوة بين الجميع على أسس إنسانية ووطنية محضة بغض النظر عن أية هوية أخرى، وهذا ينمي اللحمة الوطنية ويعزز الاستقرار الوطني.

أما الحريات بما فيها حرية الضمير فهي في الدولة الدينية أيضًا مسموحة في حدود الدين، وهذا من جديد يعيدنا إلى مشكلة حرية الاعتقاد، وإلى تصانيف الكفر والضلال وما شابه، وما يمكن أن ينشأ عنها من مفاعيل وعواقب، وهذا معناه الاضطهاد الحتمي المتناسب مع درجات التشدد والتطرف، وممارسة العنف والعنف المضاد.

أما علمانيًا، فحرية الاعتقاد مكفولة للجميع، والدولة لا تتدخل فيها إلا عند تسببها بالضرر.

وبالنسبة لمواجهة أية مشكلة، الدولة الدينية دائما تبقى محصورة في حدود التقاليد الدينية السائدة، والنقل والتقليد فيها يعلوان عادة على العقل والعلم، وهذا يحد من إمكانية العمل وخياراته المتاحة كمًا وكيفًا.

أما علمانيًا فالعقل والعلم هما سيدا الموقف من حيث المبدأ، لكن هذا لا يتحقق دومًا على أرض الواقع، فهناك تحدي الظروف الواقعية التي قد تمنعهما من أن يكونا صاحبي القرار، ولكن هذه الحالة تنطبق أيضًا على الدولة الدينية، التي يواجه فيها العقل والعلم تحديًا مضاعفًا من قبل كل من النقل والتقليد الدينيين ومن قبل ظروف الواقع.

طبعًا يمكن لحالة متقدمة من الانفتاح الديني وعقلنة التدين أن تحقق درجة جيدة من الإنجاز على كل ما تقدم من صعد، وهذا يحتاج إلى حراك تنويري معقلن ومعصرن كبير، وهذا غير متوفر حتى الآن، فهذا الحراك ما يزال مغمورًا إسلاميًا، فواقعيًا ما تزال الغلبة على المشهد هي للإسلام التقليدي السلفي الطابع، وللقوى المتشددة، والمتزمتة والمتطرفة، التي يبلغ بها الحال في كثير من الأحوال حد تكفير وصراع بعضها البعض بأشد أشكال العنف، والمتزمتون والمتطرفون هم الأكثر طرحًا لمشروع الدولة الدينية وتشبثًا به، ولو تم لهم ما يريدون، فلن ينتظر منهم عندها الخير.

وخلاصة يمكن القول أنه يمكن من حيث المبدأ تحقيق درجة وحد من التطور والتقدم الفعليين على مستوى الدولة والمجتمع في ظل سياسة دينية، لكن الدولة الدينية تبقى دومًا مهددة بالكثير من المخاطر ومن أسوئها التعصب واستغلال الدين، كما أن قدرتها على مواجهة الكثير من القضايا محدود أو مستعصية.

أما العلمانية فالإمكانيات أمامها غير مسقوفة بسقف، وهي في حمى من التعصب والاستغلال، وأكثر قدرة على الاستقرار والاستمرار والإنجاز والتطور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد