يجلس المحامي إيفان (يحيى الفخراني) وحيدًا في الحفل الذي دعاه إليه رجل الأعمال هرمان متبرمًا شاعرًا بالضيق فهو لا يحب التجار كما أخبر زوجته. ترن في أذنيه صيحات موكله الذي ترافع عنه في الصباح بعد الحكم عليه، صيحات مستجدية تتوسل بتغيير حكم الإعدام إلى مؤبد، تختنق الفكرة في صدر إيفان حتى يطرحها في الحفل، لماذا لا تُلغى عقوبة الإعدام ويُكتفى بالمؤبد مع الأشغال الشاقة. يرى هرمان أن عقوبة الإعدام برغم قسوتها أكثر رحمة من المؤبد الذي يعتصر حياة الإنسان ببطء قطرة قطرة، بخلاف الإعدام الذي ينهي المسألة سريعًا، فلا يوجد إنسان يستطيع تحمل السجن شهرًا واحدًا. يعارضه إيفان بأن عقوبة السجن المؤبد ليست بالقسوة المتخيلة، فالسجن –خاصة الانفرادي- مكان معزول عن قبح العالم وتناقضاته، بل إن الإنسان قد يسعى إليه بمحض إرادته التماسًا للهدوء والراحة. يتصاعد النقاش بين البطلين حتى تأتي اللحظة التي يشهر فيها إيفان سيف التحدي في وجه مناقشه بأنه يستطيع الانعزال عن العالم 15 سنة، فما يكون من خصمه المولع بالرهان والذي لا يكف عن ترديد جملة: أنا أتحدى- أنا أراهن مع ضيوفه منذ أول الحفل إلا قبول الرهان بمليوني روبل مقابل حرية إيفان 15 عامًا.

لا يصدق الجميع هذا الرهان السخيف خاصة زوجة إيفان، إلا أن إيفان يشرع في تنفيذ وعده لهرمان ويتوجه في اليوم الموعود لتسليم نفسه لهرمان تاركًا زوجته بين الذهول والانهيار. يجهز هرمان الغرفة التي سيحبس فيها إيفان ويحضر الحارس ليملي عليه تعليمات تشابه تعليمات السجون الحقيقية. يدخل إيفان السجن محضرًا معه بعض الكتب وآلة الكمان الخاصة به. يتمكن الفنان يحيى الفخراني من تجسيد التغيرات النفسية التي تمر على البطل على مر الشهور والسنين، تارة الملل وتارة الاكتئاب، يلامس حد الجنون في بعض الأوقات، وينكب على الدراسة والمطالعة في هدوء أوقات أخرى. نشاهد كيف أخذ إيفان قرار دخول السجن في خفة فرحًا واثقًا لا يفكر سوى في قتل الوقت (أغسل وشي في ساعة ساعتين- أسرح شعري في تلات ساعات- أحلق دقني في شهر، شعرتين تلاتة كل يوم). وكيف خرج من السجن حكيمًا زاهدًا مثقلًا بالتجربة العرفانية التي عاشها. خرج إيفان من السجن قبل موعد الإفراج بخمس دقائق ليتنازل عن الثروة المنتظرة. ساعتها لم ينل إيفان حريته الجسدية فقط، بل تحررت روحه من آلامها، من طمعها وحبها للمال، من شهواتها الدنيوية.

لقد بدأ إيفان المغامرة المجنونة شهوانيًا لاهثًا وراء المال، ومكابرًا خوفًا من الإهانة التي يخلفها التراجع عن التحدي وسعيًا لإثبات وجهة نظره حول لاأخلاقية عقوبة الإعدام. كان إيفان مسجونًا حتى قبل أن يدخل الرهان، مسجونًا في طمعه وكبره، بمرور الوقت داخل السجن تحولت شهوته من الاتجاه المادي (الخمر والطعام والسجائر والحلم بالمال الوفير) إلى شهوة العلم والمعرفة التي وجدت تفريغها ومبتغاها في دراسة الفلسفة والأدب واللغات، حتى حدث التحول الثاني للشهوة عندما أصبحت شهوة الروح، شهوة طلب الحكمة وإشباع ظمأ الإنسان إلى معرفة الله. فحتى الروح لها شهواتها التي تسعى للإشباع بالثورة على الجسد ورغباته. المفارقة أن كثيرًا من الزهاد والمتصوفة لا يحبون الثورة بالمعنى الاجتماعي والسياسي بالرغم من أنهم أخذوا الثورة منهجًا لهم ولكن في طريق آخر، طريق الارتقاء إلى الله ثائرين على الحاجز الطيني الذي يحول بينهم وبين الوصول، هذا الحاجز المتمثل في الجسد وشهواته.

لم نجد العلاقة بين السجين والسجان (جمال إسماعيل) كالمعتاد في مثل هذا النوع من العلاقات التي تتصف بالتحفظ أو الكراهية، بل نجد إيفان يسعى للحديث مع سجانه فكًا لأسر الملل، كما نشاهد زخاروف بافلوفيتش يعتني بإيفان في مرضه، بل ويقدم له وردة بعد شفائه، وهنا يتبدى ذكاء الفنان جمال إسماعيل في تغيير أدائه ونبرة صوته الغليظة الجافة المصحوبة بصيحته الكوميدية المميزة (هاي)، لتتحول إلى صوت هادئ شفوق وأداء نجح في أن يوصل للمشاهد تعاطف زخاروف وخوفه على إيفان أثناء مرضه، ليقول له الأخير جملة لا يسمعها غالبًا سجان من مسجون «إنت إنسان طيب زخاروف، وأنا حبيتك من كل قلبي». نجح البطل (يحيى الفخراني) في أن يتعرف المشاهد على الشخصية الدرامية (إيفان)، بمعنى أن يجد المشاهد نفسه في شخصية البطل، صحيح أن «الرهان» باعتباره عملًا فنيًّا ليس واقعيًا، ويأخذ بعدًا فلسفيًا رمزيًا، إلا أنه ليس من الضروري أن تكون الشخصية الدرامية يغلب عليها السمت الواقعي مثل (حسن أرابيسك) أو (أبلة حكمت) لكي يدخل المشاهد في لحظة التعرف، وإن كان هذا لا ينفي أن الشخصيات الواقعية تمتاز بسهولة التعرف النسبية عن الشخصية المنسوجة في رداء عمل فلسفي أو تخيلي.

كانت أكثر اللحظات تفوقًا للفنانة فاطمة مظهر في دور زوجة إيفان (ماريا) هو تجسيد التبدل الذي طرأ على حالها بعد أن قضى إيفان 11 عامًا في سجنه الاختياري مبتعدًا عنها، فنجد أن موقفها الرافض لسجن زوجها قد تغير، فادعت أنها لم تزره لأنها لم ترد التأثير على موقفه العنيد الرافض للخروج. كان نجاحها إنها استبدلت دور الزوجة المكلومة وملامح وجهها الحزينة الباكية بملامح الجشع والطمع في المليوني روبل، مع مسحة من الجنون. وهكذا بعد أن عادت من زيارة زوجها مشجعة له على الصبر على الفترة القليلة المتبقية (4 أعوام) تقمصت دور الكونتيسة السعيدة الحالمة بالثراء ولبس الفيزون (علامة الأناقة والغنى الفاحش).

ولكن هل يوجد تشابه بين قسوة وتوحش رجل الأعمال هرمان (عبد الرحمن أبو زهرة) الذي كاد أن يقتل إيفان بعد أن أوشك على الفوز بالرهان والمليوني روبل وبين قسوة إيفان الذي دفن نفسه في قبو بارد خمسة عشر عامًا مضيعًا حريته ومدمرًا لحياته وحياة زوجته من أجل المال. هذا التشابه ظاهري وليس حقيقيًا لأن اللحظة التي توصل فيها إيفان إلى المعادلة الصوفية أي عدد ÷ ∞ ⁼ صفر. كان هرمان يضحك سعيدًا لأنه لم يخسر الرهان والمليوني روبل ( القصة الأصلية لتشيكوف انتهت ببكاء هرمان بعد أن قرأ خطاب إيفان الذي تنازل فيه عن المليوني روبل محتقرًا كل ما هو مادي وحسي، فقد فهم هرمان الرسالة وكأنها موجهة إليه وإلى حياته المتقلبة في الشهوات). وهكذا فإن التجربة العجيبة التي دخل فيها إيفان خرج منها بشفافية الروح ورقتها، خرج منها بيقين الخلود الأبدي ∞ الذي يضحي به الماديون قصيرو النظر ليخرجوا من الدنيا صفر اليدين، أما هرمان فلم يفقد شيئًا من ماديته وكأنه لم يتعلم من سجينه أو معلمه (إيفان) شيئًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد