1-    فى عالمنا هذا وعبر التاريخ، قد يزداد القوى قوة و يزداد الضعيف ضعفاً، حتى يصير العالم إلى ثلاثة أصناف، أقوياء شديدي القوة، وضعفاء شديدي الضعف، والبقية بينهما على درجات مختلفة بين النقيدين.

وغالباً ما ينشأ الاضطراب من خلال صراع بين الأقوياء يستغل فيه الضعفاء، حتى تستقر الحال نسبيا إلى سيطرة أحد هذه القوى فى انتظار فترة اضطراب جديدة.

وخلال هذه الدورة، لا يحدث تغيير كبير فى ترتيب القوى، فقد تضعف بعض هذه القوى قليلاً، فينسحب لبرهة، يراجع فيها أوراقه ويستجمع قواه من جديد، ليخرج مرة أخرى على الساحة العالمية منافساً غيره من القوى العظمى على النفوذ والتأثير مثل روسيا التى ربما خسرت تحدِ الحرب الباردة، و لكنها احتفظت بأهم أسباب القوة رغم ذلك، من عمق استراتيجى وجيش هو ثانى أقوى جيش فى العالم حتى وقتنا هذا.

وبعد فترة من الخمول النسبى، ظهرت روسيا من جديد على مسرح أوكرانيا ومن ثَم الشام، منافسةً غيرها من القوى الكبرى ومحطمة أوهام سقوطها.

2-     وخلال هذه الدورة، تمر لحظات تاريخية، يظن فيها بعض الناس سقوط هذه القوى العظمى ويتوهمون خطأ أن ما ظنوه وحشاً كاسراً لا يُقهر إنما هو فقاعة كبيرة هشة زائفة . فمثلاً عندما
تكبر الاتحاد السوفيتى بجيوشه الجرارة و ترسانته الجبارة كسره حفنة من المجاهدين البسطاء.

وقبل ذلك انهزمت القوة الأمريكية الجبارة فى حربين متتاليتين فى كوريا وفيتنام. هذه هى الرواية المهيمنة التى سوف تسمعها فى كل مكان . سيقولون لك: انظر كيف أسقط المجاهدون البسطاء الاتحاد السوفيتى، و كيف هزم الفيتناميون القرويون أعظم قوة عسكرية فى التاريخ؟

ولكن علينا أن نفيق من هذا الوهم المخدر، نعم، قد يُظن فى ظاهر الأمر أن الاتحاد السوفيتى انسحب من أفغانستان بعد هزيمته من المجاهدين، ولكن هل حقاً المجاهدون البسطاء الفرقاء هم من هزم الروس؟ أم الصواريخ الأمريكية المضاضة للطائرات؟ وأحقاً سقطت روسيا تماماً بعد هذا الحادث، أم ظلت ثانى أعظم قوة عسكرية فى العالم تقليدياً ونووياً.

وأسقطت الأمبراطورية الأمريكية حقاً بعد هزيمتها فى فيتنام، أم ظلت هى القوة الأولى المسيطرة على العالم عسكرياً واقتصادياً؟

3-    إن هذه القوى العظمى، مثل أمريكا وروسيا، تتمتع طبيعياً بأسباب قوتها الاستراتيجية. فهى دول شاسعة المساحة القطرية، عريقة العِظم فى قوتها العسكرية المستندة إلى بنية صناعية متقدمة متماسكة، وبنية تعليمية ناضجة ووحدة سياسية قديمة. قد تكون أسباب سقوطها كامنة فيها أيضاً من نظم سياسية واقتصادية واجتماعية فاسدة، بل قد تكون على حافة الهاوية فعلاً، ولكن لن نرى هذا السقوط، حتى تتمكن قوة أكبر منها من استبدالها.

بعض الدول مرشحة لأخذ هذا الدور إن عاجلاً أو آجلاً مثل الصين، وقد تلحق بها قوى أخرى صاعدة مثل البرازيل و الهند و جنوب أفريقيا، ولكن أين نحن معشر المسلمين من كل هذا؟

4-    أما نحن فما زلنا نقبع تحت أقدام أنظمة مستبدة ظالمة، ورثنا الظلم والجهل والاستبداد كابراً عن كابر. لم ننجح فى تحقيق وحدة سياسية أو اقتصادية، ولم نطور حتى بنيتنا الصناعية.

الغنى منا يتعيش على نفط لا يملك حتى قدرة استخراجه، والفقير فينا يتعيش على معونة من هذا أو مساعدة من ذاك. مشكلتنا ليست حتى فى الأنظمة المستبدة التى تحكمنا، ولكن أيضاً فى شعوبنا، التى ما زالت الأمية والتخلف يسيطران عليها، فبعد أن ثارت بعض تلك الشعوب على حكامها المستبدين، لم يستطيعوا حتى إدارة الخلاف فيما بينهم، وقاموا يقتل بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضا.

ما زلنا منذ استقلالنا، نلعن القوى العظمى والشياطين الكبار، ونلوم الإمبريالية والاستعمار، ثم نوهم أنفسنا أننا فى حالنا المزرية هذه نستطيع أن نسقط الإمبراطوريات، ثم نكمل نومتنا فى ثُبات.

5-    لابد أن نتخلص من أوهام سقوط القوى العظمى، ولنركز على بناء قوتنا نحن العظمى، فلا يفل الحديد إلا الحديد. نعم قد يصمد الثوار أمام ثاني أكبر قوة عسكرية فى العالم، ولكن لابد لها، للأسف، من دعم القوة الأخرى. هذه هى الحقيقة المرة، وما لم نبدأ كأمة فى السعي فى وحدتنا، واستقلالنا، واستكمال أسباب قوتنا التى أمرنا الله بإعداد ما استطعنا منها، فلا أمل ولا مناص من إعادة نفس دائرة التاريخ من جديد، حيث يستعملنا الأقوياء لغاياتهم، ثم نكون لقمة سائغة فى فم المتغلب منهم ولا عزاء.

إن هذا المقال ليس دعوة للتشاؤم أو اليأس، إنما هو محاولة للفت الأنظار إلى المشكلة الحقيقية، دعوة إلى ترك تحميل غيرنا مسئولية ما نحن فيه من الضعف، دعوة إلى استنهاض الهمم للتوجه إلى إصلاح ما بأنفسنا حتى يغير الله ما بنا. لقد بشرنا الله سبحانه أنه “كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة”، ولكن دعونا نتأمل فى المقال القادم كيف استطاعت هذه القلة هزيمة الكثرة لنتسخلص الدروس فننطلق من حاضرنا لنغير مستقبلنا بأيدينا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد