إن أحد أهم علامات وعي المجتمع ومقدمات نهضته هو عندما يبدأ بطرح الأسئلة الكبرى بكل جرأة وبدون تحفظ، ويبدأ مفكروه وفلاسفته وناشطوه بالبحث عن إجابات لهذه الأسئلة.

هذه الأسئلة غالبًا ما تثار بعد هزيمة كبرى أو سقوط نظام أو انهيار منظومة أو عجزها وهرمها.

ويشكل مجرد طرح هذه الأسئلة والتفكير فيها تهديد وجودي للمنظومات الاجتماعية والسياسية والدينية التقليدية الموجودة، لأنه سيظهر عجزها عن تقديم إجابات مقنعة لها أولًا، ولأن الإجابات عن هذه الأسئلة ستدخل إلى عمقها الوجودي غاية وجود وجدوى بقاء ثانيًا.

لذلك هي تقف بكل ما أوتيت من قوة وما تمتلك من أدوات ضد مثيريها أو الباحثين عن إجابات لها بالقمع والمنع من قبل السلطة وأجهزتها، أو بالتكفير والتبديع والتفسيق والاتهام بالزندقة والمروق من قبل المؤسسة الدينية الرسمية أو الشعبية لأنها تبدأ تهدد مسلمات بنت أسس منظوماتها ومعارفها عليها.

بينما اجتماعيًّا ينظر لها بالازدراء والنفرة واعتبارها ترفًا فكريًّا ومحاولة تجنبها، لأن المجتمع كائن بطيء الحركة ومقاوم عنيد لأي عملية تغيير في العادة ويلجأ في حالات الضعف والانكسار والهزيمة إلى التقوقع على نفسه والتمحور حول معتقداته وأفكاره والتوجس من كل جديد يمكن أن يخترق بنيته الضعيفة والهشة.

وبموازاة حالة المقاومة والرفض هذه تأخذ حاجة المجتمع تكبر وتلح فتنشأ التناقضات وتأخذ بالاتساع والتمدد. فينبري الأذكياء الذين يحملون روح المغامرة ويمتلكون القدرة على التفكير الحر بإثارة هذه الأسئلة مثل، لماذا تعيش مجتمعاتنا هذه الهزيمة؟ أين الخلل؟ وما هو مدى صلاح أو صلاحية الأفكار والمعتقدات التي يتبناها ويؤمن بها؟ وما هو مدى مواءمة شكل منظومات وأنظمة المجتمع لحاجة العصر وأولوياته.

وتبدأ هذه النخب بالحفر عميقًا للبحث عن إجابات منطقية ومقنعة لهذه الأسئلة. وتنجح هذه النخب المثقفة عندما تتمكن في نقل هذه التساؤلات إلى بقية طبقات المجتمع وتشيعها بين أَوساطه وفئاته الأُخرى.

وعادةً ما تكون هذه المرحلة هي مرحلة محاولة تشخيص الداء لذلك تحتاج إلى إجابات أولية صريحة وحقيقية، ثم أن طرح الأسئلة أكثر أهمية من البحث عن إجابة وحل لها في هذه المرحلة لذلك مُطالبة من يطرحون هذه التساؤلات بتقديم إجابات جاهزة أو بديل جاهز هو محاولة إيقاف مبطنة وسعي خفي من قبل القوى المعارضة للتغيير والمستفيدة بشكل أو بآخر من بقاء الوضع الحالي على ما هو عليه.

الدول والمنظومات والأفكار التي تقبلت هذه الأسئلة بعد أن فرض متبنوها ومثيروها أنفسهم أمرًا واقعًا واستطاعوا تشكيل تيار داعم ومتبنٍ لها وقامت بالبحث عن إجابات لها نجحت بإحداث نقلات تحول تاريخية كبرى عنده. فقد نجحت الفكرة الإسلامية بنقل العرب من التشرذم والحضيض إلى الصدارة والتفوق الحضاري وكان للقرآن الكريم الدور البارز في طرحها وتحرير ممكنات العقل من قيود الوثنية التي كانت تكبله فأعاد تشكيل العقلية العربية والتي استطاعت إحداث هذا التغير والنقلة الحضارية النوعية الكبرى على مستوى العالم.

وكما نجح رواد النهضة والتنوير الأوربيون من علماء وفلاسفة ومفكرين في نقل مجتمعاتهم إلى ريادة العالم وتصدر قيادته. لكن قبل الوصول إلى نقطة التحول الحرجة تلك فإن أمام تيار التحديث ورواد التغير معركة طويلة مع قوى الممانعة التقليدية.

هرم المنظومات التقليدية البيولوجية وعجزها عن التغير واستهلاك صلاحية خطابها التبريري الموجه للجمهور وفقدان الثقة فيه وفي مصداقيته يقابله روح الشباب والحيوية والحضور الواعي لعنصر الإبهار في الخطاب التغيري يعد من عناصر القوة والتميز التي ترجح كفة التغير وتعمل لصالحها وكذلك نجاح بعض التجارب القريبة أو البعيدة يعطي دليلًا وبرهانًا على احتمالية النجاح. هذه المسارات كلها تمثل شحنات أمل دافعة.

في المقابل تستقتل القوى التقليدية وحراس معابدها في حربها الوجودية مع قوى التغير، وتحاول المنافسة على كسب فئات المجتمع وطبقاته لصفها بالترغيب أو الترهيب والاستغلال أو الاستثمار فيها. فتجد في الطبقات الفقيرة والمسحوقة من المجتمع مناجم تجنيد لإسناد قوتها وتستثير عاطفة الجماهير ونخبها لتجعل منها مصدات وكوابح تجاه من يحاول نقد أَو عقلنة نظمها أو موروثاتها وأفكارها.

اليوم أسهمت تكنولوجيا التواصل وانتشارها بكسر احتكار السلطة وحواجز الانغلاق المعرفي للمنظومات لوسائل التغير رغم محاولاتها الدائمة والدائبة لتقييدها وتكميم الأفواه لكن ترابط هذه الشبكة العنكبوتية وتعقيداتها تجعل من الصعب السيطرة الكاملة عليها أو الوقف بوجه الأطروحات والأفكار التي تتدفق عبر أثيرها المفتوح.

المستقبل لصالح التغير طال الزمن أم قصر لأن الحركة طبيعة الحياة وصفة أساسية لوجودها بينما التوقف والانكماش يعني الموت والاضمحلال.

دورنا اليوم هو إثارة هذه الأسئلة وكسر قدسية التابوهات والطواطم وآلهة الزيف والأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي صنعتها المجتمعات في لحظات الضعف والانكسار أو فرضتها عليها سلطة الاستبداد والاستعباد وضلت عليها عاكفة لا تقبل باستبدالها ولا ترضى بنقدها وتمنع عقلنتها وتتهم بالخروج والمروق والانحلال كل من يريد ذلك أَو يفكر به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد