تتغير الأشياء والظروف بين الصعود والنزول، وينقسم العالم بدوره بين غني وفقير ومتخلف، ومتطور وبين مراحل وحقب التاريخ المختلفة تحدث “التحولات الكبرى” في  حياة الأمم والدول، في هذا المقال نحاول رصد أهم التحولات التي شهدتها مجموعة من الدول المتفرقة عبر القارات الثلاث، التي اعتبرت منعرجًا حاسمًا نقلت هذه الشعوب من الاضطهاد السياسي والفقر والبؤس الاجتماعي إلى دمقرطة القرار السياسي وتثبيت أسس العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية الشاملة، وقد اعتمدنا في اختيار الدول وترتيبها صعوبة الحقب التاريخية التي عاشتها هذه الدول وضعف وشح الموارد الطبيعية التي تؤهلها لتكون في مصاف الدول الرائدة.

جمهورية رواندا

تقع شرق أفريقيا وتعني أرض الألف تل، لا يعرف الكثير عن جمهورية رواندا بخلاف حرب أهلية مدمرة راح ضحيتها ما يقارب 800,000 قتيل بين قبيلتي الهوتو والتوتسي وقد استطاع المخرج تيري جورج تجسيد هذه الحرب باحترافية بالغة  في فيلم فندق رواندا، رواندا السمراء تداوي جراحها و تقف من جديد وكما يقال الأزمة تلد الهمة استطاعت روندا شعبًا وحكومة التعافي فهي تتصدر المرتبة الثالثة  ضمن أفضل الوجهات الاستثمارية في أفريقيا بعد جنوب أفريقيا وموريشيوس، حيث كتب Marc Gunther في صحيفة فورجن “لماذا يحب رجال الأعمال الاستثمار في رواندا” ويجيب كاتب المقال أن من بين أهم العوامل السمعة الطيبة التي تحظى بها حكومات رواند المتعاقبة من حيث الشفافية والمصداقية، تزيد نسبة نمو الاقتصاد الرواندي عن 7% اعتمادًا على قطاعي الزراعة والسياحة ويشغل هذين القطاعين حوالي 70% من اليد العاملة الرواندية  حسب تقرير لوكالة الأناضول التركية  كما أن الدخل الفردي تضاعف ثلاث مرات وهو ما يعد إنجازًا اقتصاديًا مهما في جمهورية رواندا، استطاع كيغامي كرجل قائد وقوي من تحويل رواند من مرتع للحروب والفقر إلى  دولة ديمقراطية طامحة وسائرة إلى التقدم بخطى ثابتة نحو مستقبل مشرق.

دول1

الجمهورية التركية الديمقراطية

لا يمكننا الولوج إلى عمق التغيير الذي طرأ على تركيا دون الوقوف عند التحول الذي حدث في نظام حكمها وعلاقته بالطفرة الاقتصادية والعسكرية التي تعيشها البلاد، تبدأ الحكاية من قونيا المدينة الصغيرة التي اعتبرت دائمًا معقلاً للإسلام والحركات السياسية الإسلامية وهي المدينة التي انبثق منها أول رئيس وزراء إسلامي لتركيا المعاصر نجم الدين أربكان الذي تولى حزب “الرفاه” في الفترة الممتدة ما بين 1996 -1997 والذي فاز بها وشكل من خلالها الحكومة رئيسًا للوزراء ولكنه لم يعمر كثيرًا في منصبه، ونستطيع أن نقول إن نجم الدين أربكان هو الذي فتح الباب أمام حزب التنمية والعدالة ومجموعة من العوامل الأخرى التي يصعب ذكرها، يذكر أنه وقبل دخول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة كانت تعيش تركيا أزمة اقتصادية خانقة من خلال انهيار الليرة التركية بنسبة 100% وارتفاع التضخم إلى مستوياته القصوى أفلست على أثره كبريات البنوك التركية، بالإضافة إلى وضع اجتماعي متأزم ونسبة البطالة العالية، بعد فوز حزب العدالة والتنمية التزم الأخير بتنفيذ سياسة تقشفية ورفع الضرائب على الاستثمارات الأجنبية مما ساهم خلال فترة وجيزة إلى خفض نسبة التضخم إلى 10%  والوصول إلى نمو اقتصادي بنسبة 7%   ومع مرور السنوات زاد النمو إلى نسبة النمو إلى 9% حيث تضاعف الدخل الفردي إلى ثلاثة أضعاف، حيث كان دخل الفرد لا يزيد عن  3500 $ وفي العشر سنوات تجاوز10.000 $ واحتلت تركيا المرتبة السابعة عشرة اقتصاديًا والسادسة أوربيًا ما يعد تحولاً عظيمًا في مسيرة تركيا نحو التقدم.

 

 

جمهورية سنغافورة

خرج رئيس الوزراء السنغافوري الجديد لي كوان يو باكيًا أمام شاشات التلفزيون بعد انفصالها عن ماليزيا وهو يعرف صعوبة الموقف، فسنغافورة البلد الصغيرة المساحة فقيرة في مواردها الطبيعية والبشرية ولكننا أمام أمر واقع وفرصة ذهبية لا تعوض “جمهورية سنغافورة المستقلة”، ومن هنا بدأ العمل الجاد من بناء هذه الدولة وتشييد حكمها الراشد:

  • اهتمت سنغافورة بالتعليم فوحدت اللغة باعتمادها على اللغة الإنجليزية وخصصت لهذا القطاع خمس ميزانية الدولة، ففي سنة 2006 بلغ إنفاق الحكومة السنغافورية على قطاع التعليم 7 مليار وارتفع هذا الإنفاق إلى 7.5 مليار دولار أي بنسبة 15%، وشملت الإصلاحات استحداث مجموعة من النماذج التعليمية الرائدة أهمها: مدارس التفكير، والتميز الدراسي، وفي عام 2005م جرى إطلاق مبادرة جديدة وهي مبادرة “تعليم أقل، تعلم أكثر” ركزت على طرائق التدريس وتقليل حجم المحتوى لإفساح مجال التفكير وقد ظهر تفوق الطالب السنغافوري في المسابقات الدولية.
  • إنشاء هيئة التنمية الاقتصادية كمؤسسة يَسْهُل على المستثمرين التعامل معها. فكانت النتيجة؛ هي جذب عدد كبير من المستثمرين الأجانب، واستطاعت الحكومة الترويج للاستثمار في سنغافورة المستقلة، عن طريق أربع صناعات أساسية هي:

بِناء السفن وصناعتها، هندسة المعادن، والكيمياويات، والأدوات الكهربائية.

اعتمدت سنغافورة على قطاع السياحة البيئية بشكل احترافي وفعال، وساعدها في ذلك طبيعتها الخلابة ومناخها الاستوائي والتنوع الحضاري والثقافي، وقد سعت الحكومة السنغافورية نحو الاستثمار في المجال وضخ أموال باهظة من أجل تشييد مرافق وخدمات فائقة الجودة تلبي رغبات الزوار، كما أنها فتحت المجال الاستثماري والتنافسية في السياحة البيئية ويقول تشو شينع مدير وكالة سياحية أن أكثر من مليون سائح صيني في سنة 2010 وارتفع العدد إلى 2 مليون و300 ألف ويتوقع أن ترتفع الأرقام في قادم السنوات، وهو رقم يؤكد أن سنغافورة تزاحم الدول الرائدة اقتصاديًا كالصين والولايات المتحدة وغيرها من الدول الكبرى.

 

دول3

إحصائيات الاقتصاد السنغافوري ما بين 1960-2000

دولة البـــــرازيل

بدت العاصمة برازيليا معدمة قليلة الحيلة أمام الفقر الذي يجتاح جميع شوارعها وانتقلت إلى باقي المقاطعات في كل أنحاء البرازيل، وبدا البرازيليون سكارى من أثقال العيش وتفشي  الجريمة وأرقام البطالة الرهيبة كل هذا والدولة تقبع تحت سلاسل نظام عسكري مقيت سهل من انتشار الفساد والجريمة المنظمة، هذه هي الأجواء التي عاشتها البرازيل في الثمانينات من العهد الماضي، الآن  ونحن في ألفية جديدة تعتبر البرازيل قوة اقتصادية هائلة حيث تحتل المركز السادس عالميًا متقدمة على بريطانيا  وناتجها المحلي وحده يمثل ثلث الناتج الإجمالي لأمريكا الجنوبية، فكيف تحولت البرازيل من ملعب لكــرة القدم إلى قوة اقتصادية زاحفة؟

تمتلك البرازيل قدرات طبيعية كبيرة من حيث الأراضي الزراعية الشاسعة، والأنهار الكثيرة، والثروات الطبيعية مثل: النفط والمعادن الوفيرة، بالإضافة إلى القوة السكانية التي تقترب من 200 مليون نسمة، وإلى جانب ذلك كله امتلكت مناخًا ديمقراطيًّا سليمًا بدأ أولى خطواته في 1985م، وأخذ في النمو والاستقرار على مدار سنوات. وعند وصول “لولا” إلى الحكم في 2003م، كانت البرازيل لديها خبرة 17 عامًا من التجربة الديمقراطية بعيدًا عن تدخل المؤسسة العسكرية، هذا المناخ الديمقراطي أفرز إرادة شعبية قوية ورغبة عارمة لدى البرازيليين لتحقيق النجاح والنمو والتقدم رغم الفقر الشديد، وفي النهاية توفر للبرازيل زعيم برتبة رئيس، لديه خبرة حقيقية بمشكلات الدولة والشعب، والأهم أن لديه إرادة للنجاح وتحقيق النمو والتقدم وهدفـًا وحيدًا وهو مصلحة البرازيل.

سياسة “لولا” الاقتصادية لتحقيق النمو ومعالجة الفقر، وقد اعتمدت سياسة الحكومة البرازيلية في تنفيذ هذه النهضة الاقتصادية بناء على مجموعة من الاستراتيجيات المتكاملة والمتسلسلة والتي نسردها كالتالي:

• تنفيذ برنامج للتقشف:

نفذت البرازيل برنامجًا للتقشف وَفقًا لخطة صندوق النقد الدولي بهدف سد عجز الموازنة، والقضاء على أزمة الثقة. وعند تولي “لولا” الرئاسة لم يتراجع عن هذا البرنامج الذي كان قد بدأه سلفه “كاردوسو”، وأعلن أن سياسة التقشف هي الحل الأول والأمثل لحل مشاكل الاقتصاد، وطلب دعم الطبقات الفقيرة له والصبر على هذه السياسات، وأدى برنامج التقشف إلى خفض عجز الموازنة وارتفاع التصنيف الائتماني للبلاد، ومن ثَم ساهم ذلك بقوة في القضاء على انعدام الثقة في الاقتصاد البرازيلي. وبناءً عليه تلقت البرازيل نحو 200 مليار دولار استثمارات مباشرة من 2004م وحتى 2011م.

  • تغيير سياسات الإقراض:

من أجل توفير تسهيلات ائتمانية، تم تخفيض سعر الفائدة من 13.25 بالمائة إلى 8.75 بالمائة، وهو ما سهل الإقراض بالنسبة للمستثمرين الصغار، وأدى ذلك إلى تسهيل إقامة المشاريع الصغرى، وتوفير فرص عمل، ورفع مستوى الطاقة الإنتاجية والنمو، مما ساهم بشكل عام في حل مشكلة الفقر، وتشير الأرقام إلى أن نصف سكان البلاد زاد دخلهم خلال العقد الأخير بنسبة 68 بالمائة.

  • التوسع في الزراعة واستخراج النفط والمعادن:

اعتمدت البرازيل على تصدير المنتجات الخام في السنوات الأولى من حكم “لولا”، وقبل الأزمة العالمية في 2008م، استفادت البلاد من ارتفاع أسعار المواد الخام في الأسواق العالمية، وهو الأمر الذي أدى إلى سد العجز في ميزان المدفوعات الذي كان يعاني منه الاقتصاد البرازيلي قبيل عام 2003م.

التوسع في الصناعة:

اتجهت السياسات الاقتصادية إلى الاهتمام بشقين للصناعة؛ الأول: هو الصناعات البسيطة القائمة على المواد الخام مثل: تعدين المعادن، والصناعات الغذائية والجلدية والنسيج، والثاني: الصناعات التقنية المتقدمة، حيث خطت البلاد خطوات واسعة في العقد الأخير في صناعات السيارات والطائرات، فمثلاً، تُمثِّل طائرات شركة “إمبراير” 37٪ من أسطول شركات الطيران الإقليمية في أمريكا، وقد تم إنشاء هذه الشركة من قبل النظام العسكري في 1969م، ولكنها ظلت شركة خاسرة، حتى تم خصخصتها في 1994م في عهد الرئيس الأسبق “كاردوسو”، ومن ثَم أخذت في التقدم، ولكنها حققت نجاحًا كبيرًا ومتميزًا في السنوات الأخيرة.

تنشيط قطاع السياحة:

ظلت البرازيل – بما تمتلكه من طاقات طبيعية نادرة ومذهلة- مؤهلةً وبقوة لاجتذاب أفواج سياحية كبيرة، وشهدت البرازيل في الفترة السابقة نموًّا ملحوظًا في هذا المجال، وابتكرت نوعًا خاصًّا من السياحة يُعرف بسياحة “المهرجانات”؛ فهي تمتلك تراثًا شعبيًّا شديد الخصوصية، ونجحت في الترويج لخصوصياتها، كما نجحت في استقبال 5 ملايين سائح سنويًّا، وهو ما ساهم في إنعاش الاقتصاد وتحقيق المزيد من النمو.

التوجه نحو التكتلات الاقتصادية:

لم تكتفِ البرازيل بالعمل على استخدام السياسات الاقتصادية الداخلية للنهوض بالاقتصاد البرازيلي، وإنما أيضًا خَطَتْ خطوات متميزة على مستوى السياسات الاقتصادية الخارجية، واعتمدت على منظمة “الميروكسور”، وهي بمثابة السوق المشتركة لدول الجنوب، وتشكلت باعتبارها اتفاقية للتجارة الإقليمية بين كل من: البرازيل، والأرجنتين، وباراجواي، وأوروجواي، وذلك في 1991م، وبعضوية غير كاملة لفنزويلا، وبوليفيا. وتعد اليوم رابع أكبر قوة اقتصادية في العالم. وشكلت البرازيل مع روسيا والصين والهند مجموعة (البريكس) سنة 2009م، ثم انضمت لهم جنوب أفريقيا في 2010م، وهو تجمع لخمس دول تعد صاحبة أكبر اقتصاديات على مستوى الدول النامية، حيث يعادل الناتج الإجمالي المحلي لتلك الدول مجتمعة ناتج الولايات المتحدة.

دول4

وفي الأخير وبعد سردنا للتجارب التي عاشتها هذه الدول  (رواندا، تركيا، سنغافورة، البرازيل) والتي عانت من ظروف ذاتية داخلية وضغوطات خارجية وشح في الموارد الطبيعية ما لم تعشه دولنا العربية، بل بالعكس تمامًا تحظى كثير من الدول العربية في بحر لجي من الثروات والمكاسب ولكن دواليب التنمية لديها متوقفة، والفرد فيها يعيش حياة تعيسة، ولهذا فإنه لا مناص من مواكبة هذه التجارب والوقوف عند ما يوافقنا منها والعمل عليه، ويمكنني أن أنوه أيضًا أن التجارب التي قمنا بسرد خطواتها العملاقة نحو التحول الشمال اعتمدت بشكل أساسي على المنظومات التعليمية لإدراكهم بأهمية هذه الألية في تحريك التحول الشامل بشكل صائب وفعال.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

*لي كوان يو، قصة سنغافورة (مذكرات لي كوان يو)، ترجمه للعربية: هشام الدجاني ، ط1 ، العبيكان للنشر، الرياض، 2007.
* سعيد ناشيد، نجم الدين أربكان أبو الإسلام السياسي، صحيفة العرب اللندنية، نشر في 2014\02\09
عرض التعليقات
تحميل المزيد