لا يُعدّ مفهوم الحضارة اليوم مفهومًا حديثًا، إنّما هو مفهومٌ ضاربٌ في القدم منذُ تاريخِ وجودِ الإنسان على هذه الأرض؛ إذ لا حضارة بلا إنسان، ولا إنسانَ من غير تاريخ، ولا وجود لحضارة لا تنتمي لتاريخ؛ حيثُ إنّ الحضارة جزءٌ من التّاريخ، ولكلِّ حضارةٍ تاريخها المُحدد، ولكلّ إنسانٍ حضارته. كما تُعدّ الحضارة الوجهُ الآخر للإنسان؛ وبها يظهرُ مقدار قوّته، وضعفه، وتقدّمه.

إن تعريف الحضارة: هي نظام اجتماعي تكون فيه مجموعة من النّاس جماعة ليشكّلوا مع بعضهم البعض بعد تعايش زمني حضارة تقوم على أربعة أسس هي: النظام الاقتصادي، والنظام السياسي، النظام المعيشي الذي يشكل طريقة ومبدأ العيش في الحضارة وأخلاقياتها، والنظام الثقافي الذي يسودها ويمثلها.

وهي تتمثل في العلوم والفنون التي شكّلتها مخرجات تلك الحضارة التي صنعت أشياء واكتشفت أمور خلّفتها بعد ميلادها وقيام حضارتها، والتي ما زالت آثارها موجودة مشاهدة للعيان، وهذه الفنون والعلوم لا تتم إلا بالحريّة المطلقة التي كانت سائدة في تلك الحضارة.

تتشكل معالم الحضارة من الطرق والأساليب التي يعيشها الفرد؛ من طريقة العيش الصغيرة إلى طريقة العيش كدولة بأسسها ومبادئها، وشرط الحضارة كما يراه ابن خلدون هو الاستقرار الذي يعتبره أوّل شرط لنشوء الحضارة، ومن هنا تظهر الحاجة إلى عددٍ من القوانين لتنظيم حقوق الملكيّة العامة والملكية الخاصة، إضافةً إلى علاقات الأفراد ببعضهم البعض، حيث تحدد تلك القوانين نظام العقوبات والحقوق والواجبات، وغيرها مما يعتبر أساسًا لنشوء دولة، ولهذا فإنه يرى أنّ الطور الأوّل لبناء الدولة هو البداوة، تليها الحضارة التي عرّفها على أنها «تفننٌ في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوبه، ومذاهبٌ من المطابخ والملابس والمباني.. فصار طور الحضارة من الملك يتبع طور البداوة».

إن تعريف ابن خلدون لهذا المفهوم لا يشتمل على العقائد والمفاهيم التي تقام على أساسها أيُّ دولة، لاعتبار تنوع واختلاف العقائد بين الأمم والدول.

يقول ابن خلدون إنه ما من حضارةٍ إلّا واعتمدت في نشأتها على معارف وعلوم الحضارات السابقة، وقد قال في هذا الصدد: (وأهل الدول أبدًا يقلّدون في طور الحضارة وأحوالها الدول السابقة قبلهم، فأحوالهم يشاهدون، ومنهم في الغالب يأخذون، ومثل هذا وقع للعرب لمّا كان الفتح وملكوا فارس والروم). حقيقة فإنّ هذا الاعتماد على الحضارات السابقة لا يقلل من شأن الدولة أو حضارتها اللاحقة، ولا يعيبها في شيء، فهي ظاهرةٌ عالميّة تدل على مرونة الحضارة، وقابليتها للأخذ والتأثر بالحيط السابق.

وفيما يتعلّق بالحضارة الإسلاميّة، فكان اقتباس المسلمين من الحضارات الأخرى مقتصرًا على أساليب العمران والوسائل الماديّة (كتعبيد الطرقات وبناء المدن والمهارات الحربيّة والفنون الصناعيّة)، ولم يكن اقتباسهم من عمق العقائد أو التشريعات أو الأنظمة الاجتماعيّة؛ لأنّ هذه الأمور غير جائز الاستناد إليها أو الاقتباس منها من وجهة نظرٍ عقائديّة.

هذا ما يراه ابن خلدون في حقيقة العوامل المساهمة في قيام الحضارة في حين

أنَّ ارنولد توينبي صاحب نظرية التفسير الحضاري يرى أن نشوء الحضارات وبعثها متعدد الأسباب ويقوم على عمليات التحدي الجغرافية والبشرية التي تدفع للاستجابة والتحرك الخلاق للإبداع وسعيًا للإقلاع الحضاري.

ويؤكد على أن الإنسان يواجه في طريقه لبناء الحضارات مجموعة من التحديات فيتعامل معها إما باستجابات ناجحة تؤدي إلى التغلب عليها والوصول إلى تحقيق النهضة المنشودة، وصولًا للحضارة أو إلى استجابة فاشلة لا تؤدي إلى تحقيق الحضارة والنهضة.

ويرى توينبي أن الأفراد المبدعين والقادة الملهمين والفئة ذات الرؤية والتصور التي تطرح رؤية للمستقبل وحركة فاعلة لمواجهة التحديات، هم المعول عليهم في عملية المواجهة. فإذا انقاد لهم الأغلبية، سواء عن طريق المشاركة في المعاناة والخبرة أو عن طريق التقليد والمحاكاة الآلية قادوا هذا المجتمع إلى التغلب على ما يوجهها من عقبات.

ويعزو سقوط الحضارات إلى ثلاثة عوامل رئيسة:

• ضعف القوة الخلاقة في الأقلية الموجهة، وانقلابها إلى سلطة تعسُّفية.

• تخلي الأكثرية عن محاكاة وموالاة هاتِهِ الأقلية.

• الانشقاق وضياع وَحْدة كيان المجتمع.

في حين يرى عماد الدين خليل أنه لا بد من وجود سبب للانهيار؛ قال تعالى: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا. [الكهف: 59]، وقال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ. [هود: 117]، وتأمَّلْ معي قوله: «مصلحون» ولم يَقُل: «صالحون» فالانهيارات تبدأ من القمة مع سكوت القاعدة، قال تعالى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا. [الإسراء: 16]، وفي قراءة أخرى «أَمَّرْنَا مُتْرَفِيهَا» – بتشديد الميم.

إن الفساد غالبًا ما يأتي من القمة، ثم يأتي دور القاعدة في إصلاح الأوضاع؛ قال تعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا. [الأحزاب: 67] والمتأمل في كتاب الله يستنتج معادلةَ النصر ومعادلة الهزيمة، ويلْمَح حتمية الصراع، وسُنَّة التدافع والاستبدال، وضرورة وقف الفساد ومحاربته، وفلسفة بناء الحضارات وعوامل هدمها.

ولخص الدكتور محمد المختار الشنقيطي علاقة استمرار الحضارة التراكمية القائمة على التوارث بين الأجيال وبين أعمار القادة الأفراد وارتباط إعمارهم بوجودهم.

فأعمار الدول لا تقاس بأعمار القادة، والحضارة الإنسانية حصيلة تراكم الجهود التي تبنيها الأجيال وتتوارثها، والدولة المرتبطة بالشخص لا تراكم فيها ولا مستقبل لحضارتها. وأهم ما يتضمن تراكم البناء الحضاري هو القيم السليمة) والقوانين المنصفة، والمؤسسات الثابتة. وبذلك تتعالى الدولة على هوى الحاكم والفرد، وتتجاوز أفقه الضيق وحياته العابرة. وتتواصل حلقات سلسلة الاستمرار الحضاري دون انقطاع، بل تأخذ بمنهجية التجديد والتطور طالما تمسكت بأدوات الاستمرار وتحصنت من أمراض الاضمحلال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات