تعلمنا فى المدرسة أن الحج لبيت الله في مكة، ولكن لم أكن أدري أن ثمة أنواعًا أخرى من الحج على قرب كيلومترات معدودة من منزلي. كما تعلمت أن ندعو الله بكل ما نريد ونتعوذ به من كل ما نخشى، لكن أحدًا لم يخبرني أن آخر غير الله يأتي له مئات الآلاف سنويًا من شتى بقاع المحروسة يسألونه كل شيء وأي شيء. ومع مرور الوقت وانتقالي من صف دراسي إلى آخر بدأت أدرك أن لميدنتي اسمًا آخر غير «طنطا» وسمة أكثر تميزًا من إنتاجها للحلوى بشتى أنواعها إنها بلد «السيد البدوي».

وبالقرب من منزلي كنت أحب الإنصات لذلك الخطيب البشوش الذي يذكر الحضور بالله عز وجل بأسلوب بسيط يفهمه الجميع، وفي إحدى تلك الخطب بدأ يتحدث بتأثر عن إحدى كرامات البدوي حيث سقطت بقرة في التابوت في طنطا وكان البدوي آنذاك في مكة فمد يده وأخرج البقرة من التابوت، وبعد عودتي للمنزل أخذت أتساءل عن أهمية تلك البقرة التي جعلت البدوي بذاته ينقذها. هل هي مثل بقر الهنود مثلًا؟ وكيف عرف البدوي بما حدث لتلك البقرة؟ وكيف مد يده وأنقذها؟ وهل خلا العالم من كل المشكلات حتى لم يتبق سوى مهمة إنقاذ البقرة؟!

مرت الأيام والشهور والسنوات وبدأت أقرأ أكثر وأتعلم أكثر وعرفت أن في موطني مصر ما يقرب من ستة آلاف مقام أغلبها لأشخاص وهميين في كل محافظات مصر وأن أهم ما في المقام هو صندوق النذور حيث تتجاوز قيمة النذور سنويًا 10 مليارات جنيه وفقًا للدراسة المنشورة في كتاب «الطهر والكرامات: قداسة الأولياء» للباحث د. شحاتة صيام أستاذ الاجتماع السياسي، ومرت سنوات وأحببت علوم الصيدلة وتصنيع الدواء.

وبينما أضع اللمسات الأخيرة لرسالة ماجستير في كيفية تقليل الأعراض الجانبية لأحد الأدوية باستخدام إحدى تقنيات النانوتكنولوجي، علمت أن المتصوفة قد سبقوني بمراحل بل سبقوا العالم كله فلقد أسسوا أضرحة لعلاج الأمراض المستعصية وبلا أي آثار جانبية فمثلًا ضريح «راكب الحجر» في شمال القاهرة – من فضلك لا تسألني من الذي ركب الحجر ولا لماذا ركبه – ذلك الضريح متخصص في علاج العقم لدى السيدات فيكفي أن تذهب المرأة إلى هناك وتطوف حول الضريح سبع مرات وتقدم النذر المناسب حتى تشفى مما تعاني منه وترزق المولود، تأمل معي مدى الإتقان فلقد انتقلوا الآن من مجرد مرحلة مقام لعلاج كافة الأمراض كما كان يحدث سابقًا إلى مقامات متخصصة كل مقام لعلاج مرض معين ولا عزاء للأطباء، فحقًا كما قال الكاتب الليبي الصادق النيهوم «الجهل مثل المعرفة، قابل للزيادة بلا حدود».

وإذا حاولت الاطلاع على تاريخ البدوي تجد العجب العجاب وتجنبًا للتحيز وإمعانًا في الإنصاف فسأتجنب كل ما قاله المثقفون والمؤرخون الرافضون لخرافة الأضرحة وسأذكر لك قليلًا مما يقوله مريدو وزعماء الصوفيين عن البدوي: يقول محمد عثمان البرهاني – صاحب الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية – في كتابهِ «تبرئة الذمة في نصح الأمة» عن البدوي: «دعا الله بثلاثِ دعواتٍ، فأجاب الله دعوتين وأبطل الثالثة؛ دعا الله أن يشفّعهُ في كل من زار قبره، فأجابَ الله ذلك، ودعا الله أن يكتب حجة وعمرة لكل من زار قبره، فأجاب الله ذلك، ودعا الله أن يدخله النار، فرد الطلب، فسألوا: لماذا؟ فقال: لأني لو دخلتها فتمرغت فيها تصير حشيشًا أخضر، وحقٌّ على الله ألا يعذّب بها الكافرين».

حقًا لا أجد تعقيبًا يناسب ما قيل من هراء لا يستحق حتى الرد، وبقليل من البحث في كتب الصوفية ومشاهدة التسجيلات المصورة لكلمات أئمتهم تدرك أن كرامة «الدعوات الثلاث» ما هي إلا نفحة وقطر في بحر كرامات البدوي التي لا حصر لها، وحقيقة أنا أستحيي أن أذكر أكثر من تلك الكرامة احترامًا لعقلك واختصارًا لإهدار وقتك الثمين في خزعبلات.

ولأن مولد البدوي يقام كل عام مرتين إحداهما في أبريل والأخرى في أكتوبر – لا تسأل كيف ولد مرتين فهي إحدى كراماته – فلقد قدر لي الحديث مع بعض مريدي البدوي وشاهدت العديد منهم يتحدث ويتغنى بل ويرقص احتفالًا بمولد «النور الرباني والسر الصمداني» كما يطلق عليه مريدوه، وإذا قدر لك أن تزور طنطا ومررت خطأً بالقرب من مقام البدوي فستشاهد ما يعجز الكلام عن وصفه: رقصًا وخمورًا ومخدرات وسرقات واختطافًا للأطفال وتسولًا بل والله «سبًا للدين» من بعض أولئك المريدين.

إنه عالم آخر خارج الزمن عالم تختلط فيه رائحة الجهل برائحة عرق آلاف المريدين ويعلو فيه صوت التخلف الحضاري ليطغى على كل العلوم، فما حاجتنا للعلم ولدينا ستة آلاف مقام يكفي أن ندعو هذا الولي لشفاء الابن وذاك لزواج البنت وثالثًا لإنجاب الأخت ورابعًا للتخلص من البطالة وخامسًا لسد عجز الموازنة وسابعًا لتحقيق فائض في الإنتاج وهكذا.

ومن العجيب أن المقامات لم تقتصر فقط على أصحاب الكرامات المزعومة من المسلمين بل امتدت لليهود فتجد في محافظة البحيرة مقام «أبو حصيرة» الذي طالبت إسرائيل مؤخرًا بإشرافها عليه، تأمل خبث العدو الصهيوني الذي يريد أن يحرمنا من كرامات أبو حصيرة ليحظى هو بها، لكن هيهات أن يفرط الصوفيون في حبة رمل من مقام أبو حصيرة، لكن وماذا عن كل حبات رمال الأقصى والقدس وفلسطين؟

وليس من المستغرب أن يتوافد الآلاف على مقام أبو حصيرة سنويًا، فابن عربي، ذلك الحبر الصوفي الكبير يدعي في كتابه «الفتوحات المكية» أن فرعون مؤمن بالله عز وجل، وأن الله عز وجل قد شهد لفرعون بالإيمان وسيجازيه بذلك الإيمان فيدخله جنات تجري من تحتها الأنهار، لذا فلا أستبعد ذلك اليوم الذي يؤسس فيه الصوفيون مقامًا جديدًا لذلك الولي صاحب الكرامات الذي شق الله – عز وجل – له البحر وأرسل له جبريل، إنه فرعون، عفوًا، أقصد – حتى لا يغضب مريدوه وتطولنا لعنة الفراعنة – سيدنا فرعون صاحب الطريقة الفرعونية الشاذلية البطيخية، وصاحب المولد المبارك ذائع الصيت «مولد سيدنا فرعون».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فرعون
عرض التعليقات
تحميل المزيد