حلم الوحدة في زمن الربيع العربي

يطل علينا شهر رمضان المبارك ككل سنة هجرية على واقع عربي مُر، يشهد توترًا وأزمات داخلية في أغلب البلاد العربية، إن التشتت والانقسامات في الرؤى والتوجهات ما بين هذه الدول على حساب المواطن العربي عهدناه منذ القدم، لكن الصراع الداخلي في الدولة بحد ذاتها أصبح خطرًا كبيرً على وحدتها، وعلى استقرار المنطقة ككل.

فمنذ انتشار الثورات العربية أواخر شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 2010 حتى الآن، والتي فجرتها الشعوب مطالبة بالديمقراطية في الممارسة السياسية وحرية التعبير، لا تزال هذه الدول، والتي مستها عدوى بما يسمى الربيع العربي، غارقة في المشاكل السياسية والاقتصادية، فأصبح الفساد يسري في عروق أنظمتها بوجوه جديدة في الحكم، لا طالما وثق فيها الشعب بعد ثورته، فأصبح اللا استقرار السياسي والاقتصادي العنوان الأبرز لكل الأزمات.

نجحت تونس نسبيًّا بخروجها من ثورتها بأقل الخسائر، فلم يترتب على ذلك صراع دموي أو طائفي، بالرغم من وجود بعض الحساسيات على مستوى أجنحة صناع القرار والأحزاب، وعكس ذلك نجده في ليبيا، والتي شهدت منذ انطلاق ثورتها عدم التوافق؛ مما ولد صراعًا داخليًّا ما بين الهيئات والأحزاب والشخصيات الفاعلة، نتج منه ميلاد الدولة الثانية لداعش، والتي سرعان ما تم إزالتها بفضل التدخلات الأجنبية في المنطقة، وتشكيل حكومة وفاق وطنية مدعومة دوليًّا لتسيير البلاد.

غير أنه كتب على ليبيا الشقاء من جديد، وذلك باحتدام الصراع ما بين القائد العسكري المتقاعد خليفة حفتر المدعوم دوليًّا، وحكومة الوفاق بقيادة السرَّاج، ولكن هذه المرة عسكريًّا، فأصبحت بذلك ليبيا ميدان تصفية الحسابات ما بين الدول المتحالفة مع كل طرف، فلم تعد ليبيا كما في السابق (عهد الرئيس السابق معمر القذافي) موحدة ومستقرة.

أما بخصوص سوريا فنجاحها الأخير بتطهير البلاد من فلول الإرهابيين، لم ينسنا الأوضاع الكارثية التي يعيشها السوريين تحت خراب مدنهم، والحالات الإنسانية للاجئين المشتتين ما بين المخيمات، حرب أخرى لا تزال تدور رحاها في اليمن، فبعد خروج اليمنيين في ميدان الستين وميدان السبعين في عهد الرئيس الراحل المخلوع مطالبين بالحرية آنذاك، لم يجنوا سوى الدمار والأوبئة الفتاكة بفعل الصراعات الطائفية، وتدخل الدول الشقيقة وغير الشقيقة على الخط.

مصر أيضًا لم تسلم من تبعات ربيعها، فبعد تنحي الرئيس ومحاكمته وإدخاله للسجن وصعود رئيس إخواني للحكم لفترة قصيرة بعد الإنقلاب عليه عسكريًّا وحدث الذي حدث، عاد من جديد نظامها السابق بثوب عسكري مدني ،وذلك بممارساته بتضييق الخناق وممارسة الضغوطات، وكأن شيئًا لم يحدث، إلى جانب التهديدات الإرهابية من حين إلى حين، والتي أرهقت الحكومة والشعب، الأمر نفسه نتابعه في الشأن السوداني فالانقلاب الأخير على عمر البشير لم يكن كافيًا بالنسبة للشعب السوداني، فإصراره على سلطة مدنية، لا عسكرية، هو بسبب تخوفه من تكرار التجربة المصرية.

تتوالى المشاكل الداخلية في جسد الأمة العربية، فالجزائر تعيش هي الأخرى أزمة سياسية شبيهة من حيث المبدأ والأهداف بالدول العربية الأخرى، لكن تسيير الأزمة في البلاد يتم بشكل آخر، فتغيير النظام ورموزه يتم بالتدريج إلى حد الآن عن طريق مطلب حضاري سلمي يناشد به شعبها في كل جمعة، وبشكل سلس من قبل قيادتها العسكرية بمرافقتها للحراك، وسلطتها القضائية بمتابعة ملفات الفساد، وذلك وفق أطر دستورية وقانونية.

بعيدًا عن محطات الربيع العربي وتبعاته، لا ننسى الأوضاع الراهنة في فلسطين وما يحدث في قطاع غزة من عدوان صارخ في حق الفلسطنيين، فمن الحصار الخانق والاعتداءات الإسرائيلية، إلى الخلاف والجدل القائم ما بين حركتي فتح وحماس، إضافة إلى ذلك العداء والكراهية ما بين دول الخليج، وحرب المصالح والأجندات السياسية العالمية، والمشاكل السياسية الداخلية التي يتخبط فيها لبنان والقائمة منذ عقود، إلى الصراع الطائفي ومشاكل الفساد التي تطال العراق الجديد.

لطالما شاهدنا الجامعة العربية تجمع القادة والرؤساء والملوك تحت قبة واحدة، متوحّدين في التنديد لهتك شرفهم ولكن بنوايا مختلفة مراعاة للتحدّيات الإقليمية والدولية التي يواجهونها،

صحيح أن الدول الغربية الكبرى هي التي تسير المنظومة السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية والإعلامية في العالم، لكن بتكتّل الأوطان العربية سياسيًّا دون مراعاة الحساسيات، واقتصاديًّا باعتبارها غنية بمختلف الثروات البشرية والطبيعية، حتمًا ستقف الندّ للندّ لهذه الدول، وستغير خارطة العالم من جديد، إنه حلم يصعب تحقيقه في ظل الخلفيات المتراكمة والتطورات الراهنة، ولكن يمكننا الإيمان به.

إن العيب ليس في اختلاف وجهات النظر، ولا الختلاف في رؤية الأهلة، وإنما العيب هو سفك دماء بعضنا البعض، ونصرة أعدائنا لا أشقائنا، إنه واقع مُر، فلا ندري متى سنتحَّد بالفعل؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد