لفت انتباهي سؤال طرحه شاب مصري مغترب بالولايات المتحدة الأمريكية على أصدقائه على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك طالبًا منهم أن يقترحوا عليه فكرة مشروع تجاري ناجح لأنه ينوي العودة إلى مصر وتأسيس مشروع خاص به، ولكنني فوجئت بتعليقات أصدقائه فهذا يطلب منه البقاء في الغربة أفضل له من أن يعود وآخر يقترح عليه إقامة مشروعه الخاص في أمريكا وألا يفكر بالعودة مطلقًا إلى مصر.

فخطر في بالي سؤال: هل الأفضل مرارة الغربة خارج الوطن أم الشعور بالغربة في الوطن؟ فالغربة كانت وما زالت إحساسًا مريرًا تشتاق فيها لوطنك وأهلك وأصدقائك ولذكرياتك التي تركتها خلفك، وربما تخنقك العبرات وتذرف الدموع حينما تتذكر أحبابك الذين باعدت بينك وبينهم الظروف، وتمر عليك الأيام وأنت تتمنى أن يمضي الوقت كالبرق حتى تستطيع العودة إلى أرض الوطن تغمر السعادة وجهك ويملأ الأمل قلبك مفعمًا بالحماسة والنشاط راغبًا في تحقيق الأماني والأحلام.

لكن الغريب في هذه الأيام أن تجد المغترب يتردد كثيرًا عند التفكير في العودة إلى الوطن فما الذي حدث؟ ولماذا أصبحنا نألف لغربة ونفضلها على العيش في الوطن؟ إجابة هذه الأسئلة تتلخص فيما آلت إليه أحوال وطننا اليوم فحاله لا يخفى على أحد، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه إلى متى؟ إلى متى سيستمر هذا الحال؟ إلى متى سنفضل الغربة على الوطن؟

إذا أردت أن تشعر بمرارة الوضع أكثر يمكنك المرور من أمام أحد فروع المراكز الطبية المعتمدة لدول الخليج (جامكا) وانظر فقط إلى الأعداد الهائلة من الشباب الذين يقومون بإجراء الكشف الطبي كأحد إجراءات استخراج التأشيرة، ستجد أن الأعداد في كل فرع تقدر بالمئات في اليوم الواحد، أي شيء جعل هؤلاء الشباب يفرون من الوطن بهذه الأعداد الهائلة؟ أي هم يحمله هؤلاء الشباب دفعهم إلى مرارة الغربة؟ فمن المؤكد أن الشيء الذي دفعهم إلى الغربة هي الحياة في الوطن التي أصبحت أكثر مرارة، فبين انخفاض في المرتبات إلى ارتفاع جنوني في الأسعار إلى قلة فرص العمل إلى ارتفاع تكاليف الزواج إلى غيرها من الأسباب التي تكفي واحدة منها فقط أن تجعل حياة الشباب أشبه بالجحيم.

إن من أكثر الأسباب التي تجعل الشباب أكثر انجذابًا للبقاء في الغربة هي الإحساس بالذات ووجود المناخ المناسب للنجاح والتميز ووجود مقابل مادي جيد يستطيع أن يعيش من خلاله حياة آدمية لطالما سعى إليها وتمناها في وطنه لكنه لم يجدها إلا خارج وطنه، وربما الألم الذي يعصر قلب الشباب المغترب هو الفروق الكبيرة التي يجدونها بين البلاد التي يسافرون إليها وبين الوطن، فروق في الخدمات العامة، في المرافق، في البنية التحتية، في مستوى الرفاهية التي يعيشها الناس في البلاد الأخرى وبين المستوى المتدني الذي يعيشه المواطن في بلادنا، فتخرج من قلوبهم آهات وأنات يفكرون ويتساءلون متى ينهض الوطن؟

فلماذا لا تكون بلادنا أولى بجهدنا واجتهادنا؟ لماذا لا نجد فيها قيمة لجهدنا وعرقنا؟ وإلى متى سنفضل مرارة الغربة على العيش في الوطن؟

إن تلاشي الأسباب التي أدت إلى تفاقم الوضع الحالي في وطننا الغالي مصر هو أحد الأدوية التي يحتاجها وطننا العليل ليستعيد قوته ويستطيع أن يبني مجده وحضارته التي لا تكون إلا بسواعد أبنائه وفكر علمائه، فالوقت الذي يقدر فيه الوطن أبنائه ويعلي قيم العدالة والحرية والكرامة هو الوقت الذي ينهض فيه هذا الوطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد