يرجع بعض الباحثين والمؤرخين أصول عصر النهضة الأوربية إلى (الموت الأسود) الطاعون الذي انتشر بأوروبا في تلك الفترة بين عامي 1348 و1350 في القرن الرابع عشر الميلادي، والذي استمر يضرب أوروبا تقريبًا لأربع سنوات، مات فيها ثلث سكان أوروبا تقريبًا.الموت الأسود أو الطاعون الفظيع هو إشارة مباشرة لتلك الفترة الزمنية التي انتشر فيها هذا الوباء

وما خلفه من آثار جسيمة على أوروبا، تشير الدراسات أنه قتل من 45% إلى 50% من سكانها وقد نقص سكان العالم من 450 مليون إلى 350 و370 وأغلب الدراسات تتفق على أنه قتل أكثر من ربع أو ثلث سكان أوروبا وأن إجمالي عدد من قضى عليهم الطاعون 20 مليون نسمة.

أما الآثار الاقتصادية فيراها البعض أنها كانت إيجابية في بعض نواحيها وساهمت في تغيير مشهد الحياة الاقتصادية والطبقية التجارية إبان تلك الفترة، فموت الكثير من البشر ومن بينهم ملاك الأراضي أتاح الفرصة لأقربائهم في تملك تلك الأراضي، كما أن انتشار الطاعون ساهم في انخفاض أسعار السلع ورخص الحياة المعيشية في تلك الفترة مما سمح بتحسين أحوال العديد من العمال وفتح أبواب الرزق والعمل والتجارة، رغم أن الأوضاع في بداياتها لم تكن بهذه الجيدية التي يقرأها البعض خاصة على مستوى الدول فقد سنت هذه الدول العديد من القرارات التي يرجح بأنها ساهمت في تفاقم سوء الأحوال الاقتصادية منها قوانين عدم استيراد الحبوب، إضافة إلى إنفاق الأموال على الحروب مما ساهم في ازدياد التضخم المالي وسوء التغذية والفقر والمرض والجوع مما جعل أوروبا في منتصف القرن الرابع عشر كما يقول البعض جاهزة للمأساة.

تلك الأحوال التي ذكرناها فيما يتعلق بالفرص التي أتيحت أمام الفلاحين والأوضاع الناجمة عن تلك الفترة التي ساهمت في ارتقاء المستوى المعيشي لتلك الطبقة وساهم في تغير الطبقة الاجتماعية في أوروبا جعل دولًا مثل إنجلترا تخصص لباسًا للفلاحين (المرتقيين) حتى تميزهم عن طبقة النبلاء كي لا يحدث الخلط بينهما وحفاظًا على تلك الطبقة النبيلة من أن يداخلها الجدد، المستفيدين من تغير الأحوال الاقتصادية.

تلك الحقبة التي يرجعها البعض كأصل تاريخي لعصر النهضة الأوروبي، الذي انبثق شعاعه من إيطاليا وتحديدًا فلورنسا، تقول إحدى النظريات أن الموت الأسود غير نظرة الإيطاليين للعالم فقد ضرب الطاعون إيطاليا بشدة، وجعل المفكرين يتأملون أكثر في دورهم بهذه الحياة الدنيا، تلك النظرة الواقعية للحياة الممزوجة بشيء من الروحانية؛ كانت فترة خصبةً ومؤلمة، أنتجت العبقريات الفنية والأدبية التي شهدها عصر النهضة.

لنقل إن جوار الموت ومقاربته لحياتهم اليومية إضافة لظروف أخرى هي من أنجبت للعالم أمثال ليوناردو دافنتشي وساندرو بوتيتشيلي ونيري دي بيتشي، فخلف الموت الفظيع أعمالًا ما زالت تسحر قلوب متابعيها وتكتنز جمالًا لا مثيل له؛ لربما كان طعم الألم والظلام في تلك الفترة سببًا في ذاك الإبداع الفريد من نوعه.

أما لم فلورنسا وإيطاليا بالذات التي ولد فيها عصر النهضة وازدهر؟ لعوامل شتى لم يكن الطاعون فيها سببًا رئيسًا، ولكنه بالتأكيد كان أحد الأسباب العميقة جدًا كما تقول النظريات التي تؤصل عصر النهضة الأوروبي لفترة الموت الأسود.

أهم سمات عصر النهضة هو العبقريات والإبداعات الفردية؛ حيث يقول أحدهم (إن رجالًا عظماء ولدوا هنالك بمحض الصدفة)، وما نسميه نحن القدر واجتماع ظروف عدة ساهمت في بروز تلك الإبداعات الفنية والعبقرية والأسماء المخلدة إلى الآن، إضافة إلى ازدهار التجارة في المدن الإيطالية أمثال البندقية، جنوه، فلورنسا. وتحسن النظم السياسية والقضائية وتنظيم الحركة التجارية وتطور أسلوب الحكم على أيدي المفكرين أمثال ميكافيلي وجون رودان، ظروف كهذه ساعدت في انتشار الطبقة الوسطى وانتشار الأمن والقضاء على الإقطاع وظهور الروح القومية، تلك العوامل المهمة التي ساهمت ودعمت قيام أوروبا الحديثة فيما بعد.

ما أنتجه الموت الأسود كان أوروبا الحديثة، عكف الكثير من الباحثين والمفكرين والفلاسفة في تلك الفترة إلى العودة لدراسة التاريخ والوثائق القديمة وتحليل الأوضاع، تلك المجهودات الفردية أسست فيما بعد عصر الفلاسفة والمفكرين الذين أحيوا أوروبا في القرون التي تليها، فنهايات عصر النهضة رغم مآسيه التي يرويها بعض من عايشه هو بداية عصر التنوير والفكر وثورات أوروبا.

ما يبقى لنا أن ندرك ونعلم أن الظروف السوداء كانت مثمرة جدًا وأن العمل الفردي المبدع والعبقري يمكنه أن يحيي أمة ويؤسس لمراحل مضيئة مهما بلغت تلك العتمة التي انبثق منها، لم تشهد أوروبا أسوأ مما شهدته في تلك الفترة ولم تشهد إلى الآن عبقريات إبداعية فذة صنعت تاريخها الحديث مثيل ما أنجبته تلك الظلمات من نور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تاريخ أوروبا في العصور الوسطى د.ايناس محمد البهيجي
موقع ويب ويكبيديا (الموت الأسود)
عرض التعليقات
تحميل المزيد