تنمو الأشواك المدببة والنتوءات الجارحة لدى النباتات المتواجدة في الأماكن القاسية التي تفتقر لسبل العيش من وفرة غذاء وماء، لذا هي تتأقلم وتكيف تكوينها مع الظروف المحيطة بها، وتهيئ الأدوات التي تمكنها من البقاء والدفاع عن نفسها، فيما تزداد نضارة وخضارًا الأعشاب التي تعيش في السهول الخصبة الغنية بوفرة المياه والأجواء المناخية المناسبة.

ببساطة، الأمر مشابه لدى البشر حيث يلجؤون للعنف حين يشعرون بعدم الأمان، وأن حياتهم مهددة بالخطر، فتأخذ ردود الأفعال أشكالًا مختلفة، منها ما يكون سلميًّا وآخر مسلحًا، كل حسب أيديولوجيته الفكرية التي تمر بمراحل عدة تتأثر طرديًّا بحجم الضغوط الخارجية من سياسات إقصاء وتهميش وملاحقة بذرائع عدة، لطالما كانت الخلافات السياسية حاضرة بقوة بسبب غياب مفهوم الدولة المدنية في بلداننا العربية، وبرعاية أمريكية غير مباشرة، فضلًا عن النزعات الدينية والمذهبية والعرقية التي أثيرت وأيقِظت من سباتها بفعل فاعل.

ولم يكن صدفة أن تنظيم الدولة في العراق والشام قد اختار عنوانًا مفاده «الدولة الإسلامية باقية وتتمدد»، وهي رسالة مفادها «كلما عدتم عدنا»، أي أن المغذي الرئيسي لاستمرار العمل المسلح باقٍ ببقاء الذرائع التي تسوقها واشنطن لعملياتها العسكرية في البلدان العربية والإسلامية تحت طائلة مكافحة الإرهاب، إذ يستمد هذا التنظيم قوته ويشد من عزم أنصاره ومؤيديه عبر ماكينته الإعلامية المتطورة بمؤثرات صورية ومعزوفات موسيقية تغازل المشاعر لصور مجازر المدنيين الذين يقتلون في غارات يشنها الطيران الأمريكي أو دول حليفة لواشنطن، كما أكدته ذلك منظمة «إيروورز» المعنية برصد آثار الضربات الجوية للتحالف الدولي على المدنيين، والتي مقرها لندن.

الخاسر الأكبر من الصراع الجاري في المنطقة، هم الأغلبية الصامتة من الشعوب المغلوبة على أمرها، والتي باتت بين سندان داعش وفرض سطوته تحت مسمى الخلافة على مناطق باتت أثرًا بعد عين، ومجرد أطلال لركام مدن كانت عامرة، وبين مطرقة قوى التحالف الدولي التي احتشدت بترسانتها لمقاتلة وإزالة دولة الخلافة بأي ثمنٍ كان، إذ لعب التنظيم على التناقضات الإقليمية وأحداث الربيع العربي، وتحديدًا الثورة السورية وهشاشة السلطتين في دمشق وبغداد، واللتين عجزتا عن السيطرة على مساحات واسعة، كما وأن أطرافًا أخرى كان يهمها استمرار وجوده، بل ذهب بعض المراقبين للقول إنه «لو لم يوجد تنظيم الدولة لأوجد»، كما وأن الكثير من الأنظمة الاستبدادية انتفعت منه، فرئيس النظام السوري بشار الأسد مثلًا تغاضى عن التنظيم بهدف ضرب المعارضة، وإيصال رسالة للعالم مفادها «إما أنا وإما الإرهاب»، فيما علم رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي بتمدد التنظيم في محافظة نينوى، لكنه تغاضى هو الآخر عنه لإيجاد المبررات في ارتكاب ما وصف بأبشع المجازر ضد المحافظات التي شهدت اعتصامات شعبية رافضة لسياسات التطهير المذهبي الذي تعرضت له، فضلًا عن استغلاله للظروف لتشكيل ميليشيات الحشد التي عدت بمثابة قوة عقائدية تتصدى للخطر الذي يتهدد المذهب الشيعي، بحسب ما روج له.

أما أمريكا وإيران فكانتا الرابح الأكبر من تلك الفوضى، حيث وجدتا من حلبة الصراع في المنطقة وبعيدًا عن أراضيهما فرصة تاريخية لتصفية ذوي الميول الجهادية، بل وحتى أولئك الذين تحدثهم أنفسهم بوجوب الجهاد وإن لم ينتموا، فعملا على تغذية الاحتقان بالترغيب والترويج، ومن الأمثلة على ذلك ما كشف عنه التحقيق المشترك لكل من صحيفة «صاندي تايمز»، ومكتب التحقيقات الصحافية عن عمليات أمريكية نفسية، دفعت فيها وزارة الدفاع الأمريكية نصف مليار دولار لشركة «بول بوتنيغر» البريطانية؛ لتنتج أشرطة فيديو مزورة منسوبة لتنظيم القاعدة في العراق، والتي يمكن استخدامها لملاحقة الأشخاص الذين يشاهدونها، وكان الهدف من هذا المشروع السري بث روح الحماسة لدى الشباب المتعطش للانتقام، ليتم استقطابهم إلى دائرة ضيقة من كل بلدان العالم بعد مشاهدتهم للمقاطع المصورة التي تظهر حجم الاستبسال والشجاعة وعدم الرهبة والخوف لدى مقاتلي القاعدة، يأتي هذا بالتزامن مع اعتراف لرئيس الوزراء البريطاني السابق «توني بلير» خلال مقابلة تلفزيونية له مع شبكة «سي إن إن» الأمريكية، قال فيها إن الحرب على العراق كانت من أسباب ظهور تنظيم الدولة في تلك البلاد.

وليس بعيدًا عن ذلك، فالأمر تم أيضًا بتواطؤ ومساعدة أوروبية، وهو ما أظهره برنامج «ما خفي أعظم» على قناة الجزيرة بتاريخ (1/1/2017)، والذي عرض تصريح لرئيسة قسم البحث في المركز الأوروبي للاستخبارات الاستراتيجية والأمنية «أفيغيني كوزديفا» كاشفة فيه أن بلجيكا هي الدولة الأولى في تصدير الجهاديين الأوروبيين، فيما أكد «فؤاد حيدر» نائب رئيس برلمان بروكسل إن دولته تتحمل مسؤولية كبرى، فقد تلقت الشرطة طلبات عدة من الأهالي بمنع أبنائهم من الذهاب إلى الجهاد في العراق وسوريا، لكنها كانت ترد بعدم إمكانية ذلك، والحقيقة أن ما كان يجري هو فرصة للتخلص من هؤلاء الشباب «لأنهم أجانب»، فقد كان يُنظر لهم باعتبارهم متطرفين سيذهبون ولن يعودوا.

أما إيران التي لم يسمع فيها صوت إطلاق رصاصة واحدة من فوهة سلاح يحمله عنصر تابع لتنظيم الدولة، فقد ساهمت تصريحات لقادة فيها بتأجيج دوامة العنف، ومنها تلك التي تتحدث عن عودة الإمبراطورية الفارسية بامتداداتها نحو غربها، أو ما يتبجح به قادة ميليشيات مرتبطة بطهران كـ «قيس الخزعلي» زعيم «عصائب أهل الحق» الذي أكد أن بدرًا شيعيًّا سيتشكل قريبًا يضم العراق وسوريا ولبنان، بدلاً عن هلال شيعي كانت دول المنطقة تتخوف منه في الأمس القريب، ومنها الأردن.

ليبدو الأمر في المحصلة أنه لا يعدو عن تبادل للأدوار بين واشنطن وطهران لتمنح إحداهما الأخرى فسحة استراحة لتعود بعدها بإطلاق حملات استفزازية تثير الشجون، وتستنزف ما تبقى من طاقات بشرية للعرب والمسلمين من تلك الرافضة للاستبداد والعبودية، وإن لم تكن أصولية ومتطرفة لتُصهر في محرقة حروب لا تنتهي، وتغيب في ظلمات ثقب أسود مساحة قطره العراق والشام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد