حين يتحول الجهاد إلى إرهاب والمسلمين إلى أهل شر وقتال فتش عن الإعلام، وحين تنقلب الأدوار كلها رأسًا على عقب فيتحول الخير إلى شر والأبيض إلى أسود فتش عن الإعلام، وحين يصبح منادي الجهاد ينادي يا خيل الله اركبي فلا تجد من يلبي النداء فتش عن الإعلام، وحين يتحول الحق إلى باطل والباطل إلى حق فتش عن الإعلام، وحين يتحول الإعلام إلى أوهام فتش عن المستفيد.

قديمًا حينما قالوا إن كل عمل عسكريٍ يتبعه عمل إعلامي لم يكذبوا، فالإعلام هو الوجه الأسود لمن لا يريد إظهار وجهه الحقيقي، لا نَدعِي بأن كل الإعلام فاسد، ولكن السواد الأعظم إعلام موجه ليخدم مصالح دولة أو حزب، والقليل من يدّعي الحيادية فأصبحت وسائل الإعلام تُمثل الغطاء الشرعي للحملات العسكرية؛ بل والأدهى أنها باتت تبرر لشعبها ذلك الغزو وتشرعن عمليات القتل والتشريد، وهذا هو نهج الولايات المتحدة الأمريكية في حروبها، ولعل غزو أمريكا للعراق ليس عنّا ببعيد، ولا ننسى تلك الحملة الإعلامية التي مهدت للغزو بأن العراق يملك أسلحة دمار شامل وأصبح يصدق فيها القول «المنتصر والقوي هو من تفوز روايته للأحداث بصرف النظر عن حقيقة الأحداث».

حتى أن بعض الساسة العرب ربطوا تفوق الغرب بسبب الأذرع الإعلامية التي يمتلكونها وهم يستهدفون بذلك تقويض معنويات الشعوب ومحاولة لتمرير مخططات ومبررات التدخل في شؤونهم، فالغرب وعى جيدًا أهمية الإعلام بينما نحن إلى اليوم والكثير منا يعتقد أنه ليس إلا وسيلة للترفيه ومضيعة للوقت حتى دفعهم هذا للقول «بأن الحقيقة في عصرنا هي أولى ضحايا الحرب»، وقد ركز الغرب على الحرب الفكرية أكثر من العسكرية في حربه الصليبية الراهنة على الإسلام والمسلمين.

في زماننا لطالما كان الإعلام سلاحًا ذا حدين يسعى إلى التودد من صاحب القوة وتملق معارضيه قلةً كانوا أو كثرة، فأصبح الإعلام موجهًا للشعب لتحقيق أهداف السلطة الحاكمة سواءً بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، حتى أنه أصبح سلطة رابعة تُمجّد من تشاء وتحط من قدرِ من تشاء، وحاسمًا للكثير من الصراعات والحروب، وأصبح يشكل النمط السلوكي للفرد من خلال المادة الموجهة، ناهيك عن الاختراق الفكري والثقافي الذي يلعب الإعلام دورًا كبيرًا في ترويجه، ولعل ما تعيشه شعوب المنطقة اليوم من تَغيِبٍّ عن واقع الصراع أو الجهل بطبيعة الصراع يرجع إلى الدور الخبيث للإعلام.

ولعل ما ذكره الكاتب «سامي الموصلي» في كتابه «برمجة الوعي» يعزز دور الإعلام في تشكيل النمط السلوكي والثقافي للفرد، فأصبحنا أمام حرب تخلت فيها الدول عن مدافعها وطيرانها وباتت تحارب بأجهزتها الإعلامية في كسب العقول، فأصبحنا نشهد بزوغ نجم الحرب النفسية المعلوماتية.

إن خلق بيئة محددة من القيم يعطي نتائج محددة من السلوكيات، تلك البيئة يتم صناعتها بمساعدة من علوم البرمجيات اللغوية وعلم أعصاب الدماغ والباراسيكولوجي ومنجزات تكنولوجيا الإعلام والاتصال التي بلغت ذروتها في العقدين الأخيرين في هذا الانتقال.

كنت قرأت في إحدى الكتابات التي تبرز دور الإعلام في الحروب وخاصة الحديثة أنه في الحرب العالمية الثانية كان للمذياع دور فاعل كوسيلة دعائية وفي حرب فيتنام كانت تجسيدًا مهمًا لدور التلفزيون، أما حرب الخليج الثانية فقد تزامنت مع بداية الفضائيات التلفزيونية التي تمثلت في شبكة سي إن إن الإخبارية ثم جاءت حرب أمريكا على أفغانستان لتصنع الشهرة الدولية لقناة الجزيرة العربية، ثم تلتها الحرب على العراق واحتلاله، التي مثلت تعميقًا لدور الفضائيات والإنترنت وهو ما رأيناه واضحًا أيام يناير من قطع للاتصالات والإنترنت، لكَ أن تتخيل أن 140 حرفًا وقتها كانت كفيلة كي تحرك الشعب.

ولم يعد أمام المستفيد من الإعلام إلا محاولة توظيفه التوظيف الأمثل، حتى أصبحت وسائل الإعلام بذلك أحد أهم أدوات حروب الجيل الرابع، فبات الإعلام سلاحًا مكملًا وليس ثانويًا.

ولعلنا سمعنا كثيرًا مصطلح إعلام النكسة وما روجه الإعلام في ذلك اليوم، وأن الجيوش العربية احتلت النقب وتتقدّم نحو تل أبيب، حين كان الجيش الصهيوني يدك أرض سيناء جوها وبرها، وجعلوا الشعب العربي يعيش الوهم لساعات امتدت بظلالها إلى يومنا هذا، فأصبح الوهم وتأجيج المشاعر هو المنهج المسيطر على الإعلام حتى بعد الهزيمة في ١٩٦٧ لعب محمد حسنين هيكل العقل الإعلامي لجمال عبد الناصر دورًا كبيرًا في استمالة عواطف الشعب المصري ومحاولة لكسب الرأي العام من خلال خطاب عاطفي حتى خرج الشعب يهتف في المظاهرات «نريد ناصر لننتصر» وهكذا بعضُ وسائلِ الإعلامِ في هذا الزمانِ، يسحرونَ أعينَ الناسِ بما يبثونَه من معلوماتٍ مكذوبةٍ، وحقائقَ مقلوبةٍ، وصورٍ مقطوعةٍ، ومقاطعَ مغلوطةٍ لتشويِه صورةِ الحقِ وأهلِه.

ولا ينطبق عليهم إلا قول (جوزيف جوبلز) وزير الدعاية النازي الذي قال «اكذب اكذب حتى يصدقك الآخرون، ثم اكذب أكثر حتى تصدق نفسك».

لم تتوقف يومًا الحرب الإعلامية التي تستهدف دين الاسلام وأهله، فهذا هو منهج الطواغيت في الصد عن الإسلام منذ أن بُعثَ المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، والسيرة النبوية خيرُ شاهدٍ ودليل على ذلك من حادثة الإفك ومحاولة الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، مرورًا بكعب بن الأشرف المنافق اليهودي الذي سخّر شعره لهجاء النبي صلى الله عليه وسلم والطعن بالمسلمين محرضًا على الرسول عليه الصلاة والسلام كما في مطلع قصيدته:
طحنت رحى بدر لمهلك أهله … ولمثل بدر تستهل وتدمع

ولكن جاء الرد اليقين واستنفر النبي صلى الله عليه وسلم من يقتل ذلك اليهودي فقام له أسدٌ من أسود هذه الأمة سيدنا محمد بن مسلمة فأسكت ذلك البوق الناعق وكتب في مقتله شاعر الإسلام سيدنا حسان بن ثابت كما أورده ابن إسحاق في سيرته فقال:
لله در عصابة لاقيتهم … يا ابن الحقيق وأنت يا ابن الأشرف
يسرون بالبيض الخفاف إليكم … مرحا كأسد في عرين مغرف

فهل لنا بمحمد بن مسلمة جديد يسكت تلك الأبواق الناعقة التي لا شغل لها إلا تشويه الإسلام وزعزعة العقيدة الصحيحة في قلوب المسلمين وتلميع رموز وهمية تحملُ منهجًا خبيثًا، بينما هنالك تعتيمٌ كامل على قدواتِ حقيقية حملت لواء الحق بعزمٍ وصدق وثبتت يوم التقى الجمعان، وفي النهاية نستطيع القول بأن من يملك الإعلام يستطيعُ جعل حادثة عابرة قضية رأي عام، ومن إعدام شعب بأكمله مكافحة للإرهاب، ومن يملك الإعلام يستطيع تزييف الكثير من المصطلحات، ومن يملك الإعلام يسيطر ويوجه السفينة حيث يريد «من يدفع للعازف هو من يختار اللحن».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد