عبد الناصر الجاسم
عبد الناصر الجاسم

بات المشهد السوري مدهشًا من جميع جوانبه، وكأن قدرنا أن نشهد تحولات كبرى على هذه الأرض التي تعمدت بدماء أبنائها وتلوثت بدماء المقاتلين الغرباء.

من الصعب الإحاطة بكامل المشهد الذي لم ينتهِ بعد، ولكن أصبح من الضروري التفكير بجدية بما آل إليه نزيف رأس المال الاجتماعي السوري، والواجب على كل سوري ينتمي إلى سورية بدرجة أشد من انتمائه إلى طائفته وفئته وجهته وقوميته أن ينظر بعين المسؤولية والوعي إلى خسارة الرصيد الاجتماعي من العلاقات والصلات بين مكونات المجتمع السوري من أفراد وجماعات ومنظومات تعيش على الأرض السورية.

ولو نظرنا إلى بعض التجارب السابقة في المجتمعات التي مرت بحروب وعاشت ثورات وواجهت آثارها الاجتماعية، نجد أن الامتثال للتعافي والتشافي اعتمد بصورة أساسية على هذا الرصيد المجتمعي من الصلات والعلاقات وهذا يؤكد أن رأس المال الاجتماعي هو الضامن الذي منه يجب أن ننطلق.

ماذا حصل وكيف تدهورت هذه العلاقات وانهار رأس المال الاجتماعي؟

لعل الأمر لم يكن بخير أصلًا منذ سنوات ما قبل 2011، حيث كان فيه من الخلل والفجوات الناجمة عن عوامل عدة من أبرزها:

-التنمية المجتمعية غير المتوازنة وغير العادلة.

– غياب تكافؤ الفرص في الواجبات قبل الحقوق.

– تدني جودة العلاقات بين المكونات وتفشي مرض الخوف والغموض بين المكونات.

-تغييب دور المجتمع المدني ووأد المبادرات الأهلية بشتى أنواعها على ندرتها.

– غياب الحياة السياسية السليمة وخلق الأوهام والأعداء، مما يسمح بإعادة ترتيب الأولويات من قبل الدولة كما تريد.

– رسم الحدود الاجتماعية بين المكونات من خلال سياسات التوظيف والتعليم والخدمات الصحية.

ماذا حدث في السنوات السبع الأخيرة؟

ما حدث هو كشف الغطاء عن كل الذي كان محكومًا ومستورًا، وجاء هذا الكشف مدفوعًا بشحن طائفي وفئوي وسياسي خبيث، وتجلى هذا الانكشاف على هيئة ظواهر تدق ناقوس الخطر وتشير إلى عمق الشرخ واتساع الهوة، ومن تلك الظواهر على سبيل الدلالة لا الحصر:

– التهجير القسري والتغيير الديمغرافي داخل حدود البلاد وبأسلوب فيه من الدلالات والأسى ما يصعب تجاوزه في زمن قصير.

– التهجير القسري الخارجي وتشكيل ظاهرة اللاجئ السوري، واستثمار هذه الظاهرة في تنافس المشروعات الدولية من خلال ملاعب الإعلام والسياسة.

– نشوء جماعات لا تقبل من يختلف عنها أو معها، وتسعى لإزالته من الوجود بشتى سبل الموت والتغييب وبرزت ظاهرة التشفي والسحل والحرق الذبح.

– الاعتقالات العشوائية والتغييب والتصفية بكل استهتار وتهاون بأدنى درجة من درجات حقوق الإنسان.

– شيطنة الرأي العام وتشويه مفهوم الانتماء لسورية وتفصيل معايير خاصة بكل سلطة من سلطات الأمر الواقع، ونشر شعارات تزيد الشرخ واتساع الفجوة بين مكونات المجتمع الذي تواجه الظلم والألم على حد سواء، لكن لكل مكون الطريقة الخاصة به.

– التدخلات الخارجية ربطت مشروعها السياسي والتداخلي بمشروعات اجتماعية كذلك الأمر.

– تخلي الدولة عن مسؤولياتها الاجتماعية وانتشار ظاهرة العقاب الجماعي والتجويع والحصار وتشويه القيم الاجتماعية، مما سمح لانتشار مظاهر الفساد الأخلاقي والعنف بأشكاله ضد النساء والأطفال.

مما تقدم وهو غيض من فيض، جاءت أهمية تسليط الضوء على هذا الموضوع ودق ناقوس الخطر الناجم عن فقدان رأس المال الاجتماعي السوري.

ماذا يمكننا القيام به؟ ومن يقوم بذلك؟

عدد من النقاط قد تشكل مقترحًا أوليًا لبلورة الاهتمام والالتفات لهذا التحدي الكبير، منها:

– هدم كل التصورات الخاطئة المسبقة عن بعضنا البعض نحن السوريين، وإعادة برمجة العقلية السورية وذلك من خلال الأدوات الاجتماعية كالفن والنشر والإعلام والدعوة للتعارف من جديد.

– البحث عن دور المجتمع المدني والأهلي والبدء بالتواصل بين المكونات وترميم الانسداد الحاصل في قنوات التواصل وعدم الاستسلام لأوهامنا وخوفنا.

– التركيز على التعليم للسوري حيث يكون، وعدم السماح لحدوث فجوة التعليم الكارثية.

– الابتعاد كليًا عن التلاعب في الثبوتيات والملكيات والأوراق لكل الغائبين والمغيبين، واعتبار ذلك خطًا اجتماعيًّا أحمر لا يجوز عبوره مطلقًا.

– إعادة النظر بدور المنظمات الدولية، بحيث يتطور دورها من إغاثي يضمن الحد الضامن للبقاء على قيد الحياة إلى دور تنموي وتوعوي.

– التدريب على تقبل الآخر وتطوير الحوار المجتمعي، ونبذ كل مظاهر العنف والإقصاء والاستفادة من تجارب الآخرين ولا سيما بعد هذا الخذلان الكبير والخيبة التي تلقاها الشعب السوري من كل منظمات العمل الدولي وتحطم منظومة القيم الإنسانية المشتركة أمام تلاقح المصالح على تراب سورية الغالي.

في الختام ماذا نقول؟

البشر أولى بالرعاية من الحجر، تعالوا نتعارف من جديد ونتآلف فلا نظام الحكم باقٍ ولا أشكال المعارضات ستدوم، والثابت الأكيد أننا سنلتقي على هذه الأرض الطيبة التي تستحق الحياة أكثر مما تستحق الموت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك