في شهر مايو عام 1805، تولى محمد علي حكم مصر وبدأ بها عهدًا جديدًا، عهدًا نشأ بالدماء كأغلب دول التاريخ التي قامت على أساس من دماء سابقيها وأعدائها، وكان أعداء الباشا الذين أقام على دمهم أركان دولته الفتية هم المماليك الذين اعتلوا عرش البلاد وظلوا يحمونها حتى سقطوا على يد العثمانيين، وهم وإن سقط عرشهم لم يسقط حمكهم؛ إذ إن العثمانيين تركوا لهم جانبًا كبيرًا من إدارة شئون البلاد لطول خبرتهم بها حتى أن بعض المؤرخين يبالغ فيسمي هذا العصر بالعصر العثماني المملوكي.

فالباشا لم يبن دولته على أنقاض العثمانيين؛ بل على أنقاض المماليك خصوصًا ولنحكِ القصة من بدايتها.

كان من ضمن أسباب سقوط المماليك إهمالهم تطوير أنفسهم، والاكتفاء بفروسيتهم التي لم تغن عنهم شيئًا أمام جيوش العثمانيين المتطورة، ومع إتمام السيطرة العثمانية على مصر ترك سليم الأول دورًا للماليك ليشاركوا واليها حكم الأقاليم؛ نظرًا لدرايتهم بشئون البلاد، وسرعان ما أصبح هؤلاء الأمراء مصدر قلق للوالي وظلم للرعية، ودارت بهم الأحوال حتى تحكموا في مصر وصاروا يعزلون الولاة فكان يكفي عدم رضاهم عن الوالي حتى يسحبوا البساط من تحت قدميه، فيأتي فرمان عزله سريعًا من إسطنبول، كما كانوا يسيرون دفة الأمور حتى وجدناهم يستقلون عن السلطنة بقيادة علي بك الكبير  ويحققون الحلم الذي راودهم كثيرًا في أن يعودوا سلاطين، غير أن الدولة العلية استطاعت أن تعيد مصر إلى حظيرتها مستخدمة في ذلك محمد بك أبو الذهب صهر علي بك الكبير الذي غلب على كافة الأمراء ولم ينازعه أحد، وبعد وفاته تعاضد اثنان من رجاله وهما مراد وإبراهيم لتسيير شئون مصر،  وذلك بإرادتيهما وليس للباب العالي شأن كبير لديهما، وكانت السلطنة تطمح للتخلص منهما لتحكم قبضتها على مصر؛ فأرسلت جيشًا كبيرًا مع الباشا الجديد عبدي باشا، ولكن فر الأمراء من أمامه والتجأوا إلى الصعيد حتى عاد الجيش المصاحب للباشا إلى الأستانة فجاؤوا هم إلى القاهرة ليسيطروا عليها، وظلوا على حالهم يحولون دون التطوير الذي يكرهونه، وكأنه سم يتجرعونه  حتى حلت الكارثة الفرنسية على البلاد، وكعادتهم اكتفوا بالفر دون الكر، فقد واجهوا نابليون في معركتين خاسرتين بفضل اعتمادهم على فروسيتهم وذكائهم، وبعد أن تجرعوا الهزيمة ذهب كبيرهم مراد إلى الصعيد، وإبراهيم إلى ناحية الشام.

ومع خروج الفرنسيين من مصر على يد الحلف العثماني الإنجليزي عاد المماليك مرة أخرى وعادت فكرة التخلص منهم تراود السلطنة حتى تستخلص منهم مصر غير أن أحد البكوات وهو الألفي – الذي خلف مراد بك- كان قد واعد الجنرال سميث بأن الأمراء على استعداد لتقديم أى خدمة للإنجليز، فلما قبض العثمانيون على المماليك بحيلة دبروها لاصطحابهم إلى الأستانة استشاط سميث غضبًا، وتدخل لفك أسر البكوات لدرجة أنه أعلن أن قتل الأمراء يوجب عليه حرب العثمانيين ورفع الأمر للسلطان الذي عاد لسفير إنجلترا لديه فاعتذر له بأعذار واهية.

وفي النهاية تمكن الأمراء من التجمع وتخلصوا من الأسر وفروا مرة أخرى إلى الصعيد ليعاودوا اضطراباتهم ومصائبهم طوال الفترة التي أعقبت الحملة الفرنسية وحتى عام 1805، إذ جاء الطموح إلى مصر ليبني دولةً له عالية الأركان، لكن مصدر القلق ظل متربصًا بأي تحديث يدخل للبلاد، وكأن التطوير بالنسبة لهم كالنور للخفافيش، فقد حاول الباشا الاستفادة منهم وتجنيدهم بالنظم الحديثة، إلا أنهم رفضوا وحاكوا ضده المؤمرات حتى هزمهم وشتتهم في الصعيد، لكن عبثهم لم يكف، ولم يكن لطموح الباشا حدود لم يكن البكوات ليثنوه عن عزيمته فقرر أن يضع أساسًا لمصر الحديثة من دماء أولئك المماليك لتثبت به أركان مصر الحديثة، ويبدأ البناء والتطوير، وتم له ما أراد بعد أن استدرجهم لقلعته وفتح عليهم النار سنة 1881 فيما عرف بمذبحة القلعة التي شهد محمد علي عدة انتقادات بسببها، لكنها في رأي الآخرين كانت اللبنة الأولى في أساس مصر الحديثة.

قلعة صلاح الدين التي شهدت مجد المماليك وسلطانهم وشهدت نهايتهم الدامية، وفي الصورة نرى باب العزب مكان مذبحة المماليك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

article, Historical, Opinion
عرض التعليقات
تحميل المزيد