لطالما كُنت رجلًا غير مُحب للحيوانات، بالكاد أتعاطف معها، ولا أودّها، ولا أقدرها، ولا يوجد سبب شخصي يدفعني لقول ذلك؛ سوى أنّي أتحاشى لمسها، والتداول معها، وهذا موضوع مختلف كليًّا عن ذاك الذي أود الكتابة عنه اليوم. فرغم اعتقادي الشخصي إلا أنه لا يجوز لنا أن نتفرد بهذا الكوكب، وهذه الحقيقة تكشّفت لي في زيارتي الأخيرة لإسبانيا، عندما وُضِعتُ في اختبار العاطفة تجاه الحيوان، فلا يحق أن نسعى لإقصاء الكائنات الأخرى، فالأرض ليست حصرًا على البشر، والحيوان يُزاحمنا الجغرافيا، ويُشاركنا الهموم والأهداف، أليس كذلك؟! ألا يكفيه أنه حيوان، ثم إن مواجهة الإنسان للحيوان هي مواجهة حتمية ترقى لمرحلة التعايش، وليس لأحد الغلبة على الآخر، في حين يُصر نموذج الإنسان الأحمق على صناعة الترفيه على حساب إراقة دماء الحيوانات.

الأول من مايو (أيار)، موسم مصارعة الثيران يُشارف على الانتصاف، حينما حصلتُ على أكثر اللحظات تراجيديا في حياتي؛ عندما سنحت لي الفرصة لحضور San isidro وهي أحد الاحتفالات التي تُمارس خلالها نزلات الثيران في قلب العاصمة مدريد في الحلبة الشهيرة Las ventas، درجة الحرارة 35 درجة مئوية، وسرعة الرياح 15 كم/ساعة، وأشعة الشمس خجولة، حوالي 20 ألف متفرج، توقفوا عن التراطن بلغة لا أفهمها، عندما بدأت أولى جولات المساء بدخول ثور إلى وسط الحلبة، «فيرمن بوهورغويز» بوزن 549 كجم، موسيقى خارجة من بوق، ثم ظهور «سيرجيو مولينا» حاملًا سهمًا رفيعًا بضعف طوله على ظهر حصان مُدرع، تائهًا متفحصًا المكان، يبدأ الثور في التعاطي مع آخر 10 دقائق من حياته، في جولة تسبق دخول «الماتادور»، تبدأ جولة تلاعب بالثور؛ حيث يتم التعرف على مميزات الثور: مدى قوته وتفاعله مع قاتليه، الذين سيظهرون بالترتيب وبشكل مُنضبط، فيجب على الجريمة أن تكون بأبهى حُلة، وعلى الثور أن يتفاعل مع قاتليه، وأن يُعطي الحضور ما يُعادل ثمن تذاكرهم في المدرجات، وإن أظهر الثور بعض القصور في الأداء، يبدأ الجمهور بالتصفير دافعًا اللجنة المنظمة لإدخال ثور جديد يكافئ المستوى المنشود.

يظهر «الماتادور»، الرجل ذو الجوارب الوردية، المُكلف بوضع حد لحياة الثور، حيث لم يُشارك في الفصل الأول من المنازلة، كان مُنزويًا يترقب ضحيته، ويرسم لها خُطة محكمة، يظهر عديم الخبرة «خافيير مارين» بشاربه المُرتخي، يرتدي بزّة مُزركشة بعشرات الآلاف من الدولارات، وقُبعة سوداء سوف يلقيها بعد قليل على الأرض ليُحييه الجمهور – لا أعرف الغاية من هذا البروتوكول -، في مُجمل ما حدث كنت جالسًا خائفًا أترقب المشهد، رغم أني على عِلم بأدق تفاصيل كيف سيتم الأمر، لا أشك أنها رهبة المرة الأولى فقط، فمنذ صغري وأنا أتابع قناة Torros الإسبانية، أما اليوم فرائحة الموت تسود المكان، ومنظر الثور وهو يقترب من آدمي لهو منظر مريع، الجميع حولي يضحكون، ويأكلون، ويتحدثون عبر هواتفهم، وكأنهم يُمارسون أمرًا روتينيًّا، فهذه الرياضة ليست مسئولة سنويًا عن مقتل ربع مليون ثور في عز شبابه وفتوّته في إسبانيا وحدها، بل تقوم أيضًا بقتل الدهشة لدى الجمهور.

يبقى الأشد مدعاة للأسف أن الجمهور يتعاطى مع قاتلي الثيران باعتبارهم رموزًا حقيقية تعكس الشخصية الإسبانية، فبعد انقضاء أمسية الترفيه الدموية، يظهر «الماتادور» غارقًا بالورود والمناديل والهِبات من الجمهور، الجميع يسعى لإلقاء التحية من قرب، وكأنه عائد من ساحة حرب، وليس غريبًا أن نسمع بأن وظيفة «الماتادور» تعد حلمًا للكثير من الأطفال في البلاد، في حين يجب علينا نحن الشعوب أن نبتئس لما يحصل مع الثيران، وأن ننظر إلى نموذج الإنسان القاصر الذي يتلذذ بتعذيب الحيوانات على أنه قاتل، دعونا ننعته بالقاصر، ونُسخر شتائمنا في سبيله، بدلًا من الذهاب إلى مديري العمل.

أتساءل ما المبررات التي تمنع منظمات حقوق الحيوان من منع مثل هذه المهرجانات؟ إن بلادًا مثل إسبانيا تهدر قرابة ربع مليون رأس ثور سنويًّا من أجل الترفيه، إن أحدًا لا يستطيع تخيل مأساة هذا الشيء مثلي، فمصارعة الثيران حتى الموت أصبحت صناعة لها استديوهاتها، وقنواتها، وعقود رعايتها، بل إنها تجاوزت حدود الحلبة عندما وقفت على بعض الأدبيات التي تعود لـ«دالي، وألبيرتي، والرسام الشهير بيكاسو»، وشاهد هذه الأدبيات أنها تناولت اللعبة على أنها رمز المغامرة والشجاعة.

يظهر بطل طفولتي «ديييغو أردياليس»، وفتى الجمهور المدلل «روكا ري» الذي سيظهر فيما بعد، حيث سيبدو أطول وأكثر وسامة من صورته على التلفاز، يتوجه «أردياليس» إلى بقعة قريبة من الجمهور، غالبًا أنه يُلقي خطابًا في 10 ثوان، تجاه زوجته – أتصور أنه متزوج تبعًا لتقدم سنه -، يبدو خطابًا وداعيًّا، لما قد يحدث لا سمح الله! يبدو الجمهور عناصر زائدة على لقطة المُناجاة هذه، بالكاد يُظهر الماتادور بعض الدموع ثم يمسحها متوجهًا لوظيفته الرئيسة وهي القضاء على ثور شاب بأسرع وقت.

ومع كل خطر يقترب من أردياليس، تُغمض زوجته عيناها من فرط الخشية عليه، فالجميع يتذكر فكتور باريو، الرجل الذي لازمه أسوأ سيناريو وسط الحلبة عندما فقد حياته في أحد النزالات ضد ثور كان يدافع عن نفسه ضد تجبّر الإنسان هنا في هذه البلاد، ناهيك عن حالات الشلل والجروح الغائرة التي لحقت ببعض المشاركين جراء انغراس قرن الثور في مؤخراتهم أو في أذقانهم وأفخاذهم، وهنا يتحول العنف بالحيوان إلى عنف ووحشية ضد الإنسان، فإيقاف اللعبة هي ضمان سلامة للإنسان وليس فقط تأمين رقاب الحيوان، المُلفت أن المنظمين يحرصون على التطبيب في حلبات مصارعة الثيران، ففي حال حدوث إصابة ينقل الماتادور فورًا إلى حجرة التطبيب «Enfermeria» القاطنة تحت المدرج، يبدأ الناس بتغطية وجوههم من الدماء المتناثرة كما يظهرون بعض الأسف على المصاب، وكأن قدومهم كان لغرض مشاهدة مُسابقة طبخ! الحقيقة المؤلمة أن أحدًا لم يُظهر أي تعاطف تجاه الثور.

يتسلم الراية «ماتادور» آخر لينهي ما بدأه «الماتادور» المصاب، وفي غضون ثوانٍ قليلة، ينسى الجمهور – باستثناء أقارب «الماتادور» المصاب – ما حدث؛ ليصيح من جديد بـ«أولييييه» مع كل مُناورة جيدة، ينتشي «الماتادور»، وتزداد حماسته لأداء رقصات بلهاء، يتفاعل الحضور مع الحدث صانعًا تراجيديا غير لطيفة، بينما يبدو الثور لي أعقل الحاضرين، وأكثرهم إنسانية. يُصبح الثور الأعزل أشبه بالقنفذ لغزارة السكاكين التي تم غرسها في ظهره، ما يلبث أن يحين الفصل الأخير، اللحظة الأكثر إثارة في كل ذاك اليوم الذي مكثتُه في مدريد، يغرس «روكا ري» سيفًا طوله 50 سم في قلب الثور، كان الثور لا يزال يتنفس عندما جثا على أطرافه الأربعة، والدماء تسيل بغزارة من فمه دون هوادة، قبل أن يقفز الأشقى وهو أحد المساعدين، ستكون وظيفته غرس سكين بطول سكينة الفواكه في رقبة الثور، معلنًا انتصار الإنسان على الحيوان، واستخلافه للأرض التي لا تستحقه، وانتصاره على «الوحش» الذي سوف يٌسحب بعد قليل من قبل مجموعة جزارين وأحصنة، في حين يفشل «أندريس روكا ري» في قتل الوحش الذي يقتاتُ عليه في داخله هو.

يبقى البشري مخلوقًا قاصرًا للغاية، دائمًا ما يكون عُرضة لممارسة أفعال خاطئة، تصل إلى تعذيب الحيوان؛ لأجل الترفيه، وفق أعياد شعبية ساذجة، وثقافات اعتباطية، فإن سمحنا بتوفير غطاء لهذه الأعياد فعلينا ألَّا نسمح بإلحاق الأذى بأي حيوان كائنًا من كان، علاوةً على تعذيبه وتعنيفه، والاحتفال بمقتله بتقطيع آذانه، وأطرافه لغرض الذكرى.

لا يهم اليوم إن كان هناك من يندد بهذه الرياضة أم لا طالما سوف يستمر نشاطها العام المقبل في ما يزيد عن 200 حلبة في إسبانيا، القليل جدًّا منها يكتفي بجولات مصارعة الثيران دون نهاية دموية، في حين يرى الشارع أن الهوية الإسبانية لا تصل أوج مكانتها بين الهويات الأخرى إلا بهذه الرياضة لما لها من رمزية، وبُعد تاريخي يعود للقرون الوسطى، وأن الثيران إن لم تّذبح في الحلبة ستذبح على أية حال في المسالِخ، وعلى أية حال فإن دولة مثل إسبانيا لم تترفع خلال الحرب الأهلية، ولا في محاكم التفتيش عن إراقةِ دم الإنسان، فلا تنتظر منها أن تُعنى بحفظ حقوق الحيوان أو الإحسان إليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد