يعيش المجتمع الجزائري من جديد تحت هول تلك القضايا المتعلقة بأطفاله وفلذات كبده وكأن الواقع لا يلمس إلا نقطة ضعف هذا الشعب وهي تلك البراعم الصغيرة التي لا تكاد أن تنضج، فبعد قضايا الاختطاف والقتل التي جعلت الخوف يملأ شوارع المدن وأحياء الأرياف هاهي التكنولوجيا تشكل ذلك العامل والهاجس الذي يرهب ويشغل تفكير الأولياء في ظل ما يحكى ويروى عن قضايا انتحار الأطفال نتيجة ممارستهم واحدة من أكثر اللعب الإلكترونية مأساوية حسب ما يشاع وهي لعبة الحوت الأزرق.

إن لعبة الحوت الأزرق لعبة إلكترونية روسية المنشأ، لها من الضحايا ما يقرب المئات عبر العالم، قام بتطويرها طالب علم النفس الروسي فيليب بوديكين صاحب العشرينات، والذي وضع طلاسمها بعد دراسة مكثفة قائمة على تجارب نفسية مختلفة تعتمد على بناء حالة من الاكتئاب لدى ممارسها، وفي بعض الأحيان تهديدات افتراضية تعتمد على البيانات الشخصية التي تم تزويد اللعبة بها في أولى مراحلها، لينتهي بممارسها الأمر بعد اجتياز 49 مرحلة من أوامر تقطيع الجسد والرعب النفسي إلى المرحلة الستين المتمثلة بالانتحار الكلي اقتداء بظاهرة حيتان الشاطئ، والتي ترتبط بفكرة الانتحار، حيث يظهر الهدف من إنشاء هذا الشاب الروسي لهاته اللعبة جنونيا، فهو يعتبر أنه يقدم خدمة إنسانية لهذا العالم تحت شعار تنقية الفصيلة البشرية من الفضلات البيولوجية، وهي المجموعة المنتحرة، نعم إن لعبة الحوت الأزرق هي لعبة قاتلة انتشرت في روسيا وبعض أرجاء العالم منها العربية أيضا مند بداية العام، حيث تم إلقاء القبض على مؤسسها، ومن ثم القضاء على هاته الظاهرة كليا، فلماذا تعود هذه اللعبة للواجهة من خلال الجزائر اليوم في ظل أن الشباب الجزائري، وحتى الأطفال منهم معاصر لأحدث التطورات التكنولوجية والألعاب الرقمية؟

وها هي وسائل الإعلام تتسارع كالعادة لإجراء اللقاءات والبحث في الموضوع حيت تقوم بتناقل قصص انتحار هؤلاء الأطفال تحت تأثير هذه اللعبة الناطقة بلغة لا يفقهونها، وهم الذين يجيدون بالكاد لغتهم العربية أو الفرنسية باعتبارها اللغة الثانية في الدولة، كيف لأمهات لم يستطعن كشف خدوش على أجساد أبنائهن، حيث إن البعض منهم لم يتعد ثماني سنوات أقل ما يقال عنها وشما واضحا؟ كيف يحمل البعض التطبيق وهو غير موجود أصلا في المتجر الرقمي للهواتف الذكية؟ باعتبار أن اللعبة فيسبوكية وتقوم على أسلوب المحاورة، بل كيف يفسر فشل الكثيرون ممن أصابهم الفضول من البالغين على إيجادها؟

فلا تتوفر إلا نسخ منها تحمل نفس الاسم، ولكن أقل ما يقال عنها تافهة، كما نجد من الجانب الآخر تلك المجموعة التي لم تجد تفسيرا لما يحدث من غرابة اللعبة إلا بنسبها إلى الماسونية، ليرد البعض أنها لعبة تعتمد على الشعوذة وأساسها عبارات وتأثيرات من ذاك السحر الأسود، والحقيقة أن كل هذا يفتح أبواب الشك عن تسريب اللعبة وانتشارها في مواقع معينة، فيعتبر البعض أنها قد تكون بفعل فاعل، أم أن الحوت الأزرق ما هو إلا أسطورة أخرى لإشغال الرأي العام بعد أن كان الاختطاف وأخبار كرة القدم تتصدر العناوين، وبالرغم من كل الذي قيل ويقال يبقى الشعب الجزائري بين التصديق والتكذيب، إلا أن اللعبة، وبالرغم من كل ما تخفيه من حقائق تشكل رعبا دائما للأهالي، كيف لا، وهي تمس نواة هذا المجتمع وأساسه!

والحقيقة أن الحوت الأزرق يكشف عيوبا تربوية في الأسرة الجزائرية المعاصرة، إذا تبنينا أن اللعبة موجودة وفاعلة، فإن المشكل الذي يجب مراجعته ذا أسس تربوية، فهي تكشف العيب في علاقات الآباء بأبنائهم، عندما يقوم طفل لم يتجاوز 8 سنوات بجرح نفسه، دون ملاحظة الآباء وشعورهم امتثالا لأوامر مجرد لعبة فقد يتعرض لمختلف أنواع التحرش والتعذيب الجسدي بدون تفطنهم، أو بالانتحار مثلما يحدث، وما هذا إلا دليل على اللامبالاة وانعدام الرعاية السليمة من الآباء اتجاه أطفالهم، وعندما يقدم طفل في 13 من عمره على تسلل خارج بيته ليلا ما هو إلا انعكاس عن نقص الاحتواء والتأهيل الذي من المفروض يرجحه لابتعاد عن هذا نوع من الأفعال، أما عندما يقوم مراهق في سن 16 بشنق نفسه وهو في هاته المرحلة التي يميز فيها مبدئيا بين الخطأ والصواب ما هو إلا نتيجة تعقيد هده اللعبة لوضعيته النفسية، والتي تعبر في الأساس عن بعد مجتمعي ونقص تواصل أسري، كما يجب لفت الانتباه أن اللعبة لا تستهدف بضرورة مدمني التكنولوجيا، ولكن أولئك الذين يعانون متخبطات داخلية نفسية في صمت، بل ربما أهدى الأطفال وأعقلهم، فاللعبة تعتمد ببساطة على تلاعب بنفسية هؤلاء الأطفال أو المراهقين الذين يعانون على الأقل عدم اتزان نفسي بعيدا عن أعين الأهل، باعتبار أن الانتحار ليس بالأمر الهين والسهل.

وبالحديث عن التكنولوجيا المتطورة في ما يخص عالم الهواتف والحواسيب يعرف المجتمع الجزائري كغيره من المجتمعات العربية إغراقا غير مسبوق بمختلف أنواع التكنولوجيا، بل التي أصبحت في متناول جميع الفئات الاجتماعية بطريقة اعتيادية، دون مراعاة القواعد العمرية أو الغرض من الاستعمال، فنجد على سبيل المثال الآباء يتفاخرون أن أبناءهم الذين لم يتجاوزوا الخمس سنوات أكثر براعة منهم في استعمال هاته الأجهزة، بل نجد غيرهم يقدمونها لأطفالهم  كوسيلة إلهاء دون استعمال الطرق التربوية السليمة، ودون الانتباه أن لذلك سلبيات على المدى الطويل، بل تأثير على تطور هذا الطفل فكريا مستقبلا، والذي يلتمس كل هذه الحقائق يسهل عليه الإدراك أن لعبة الحوت الأزرق ونتائجها ما هي إلا تحصيل حاصل لعقم التربية والطرق الإيجابية في رعاية الأطفال.

 وها نحن اليوم أمام مطالب بحجب اللعبة، والذي يتطلب حجبا للفيسبوك حسب وزارة الاتصال التي تتفنن في حجب الإنترنت والمواقع في مرات عديدة، ولكنها فشلت في حجب هذه اللعبة، والتي يشكك في عدم وجودها أصلا، وإن كان الحجب لا يشكل حلا حقيقيا، بل تأديبيا بقدر ما أنه حل سهل؛ فالمشاكل تستأصل من جذورها بالمعالجة القائمة على تربية طفل قادر على تمييز بين الخطأ والصواب حتى في وجود أكبر الإغراءات والأكثر جدلا بدلًا عن الاختيار مكانه، وإبعاده عن الخطر دون تعريضه لتجربة الاختيار الفردي.

وكم هو مؤسف اليوم أن يصبح المجتمع بأكمله سجين تلك اللعبة، والتي تروج لها مصادر مجهولة مستهدفة تلك العقول الضعيفة والبريئة، ولربما لوسائل الإعلام ذلك الأثر المهول لإعطاء هده اللعبة ذاك الحجم الذي يزيد فضول وإقبال الناس إليها ومن تم زرع الخوف في قلوبهم، إن لعبة الحوت الأزرق جعلت من المجتمع يعاني الكثير في ظل تدهور ظروفه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتأخر مجالاته التعليمية والصحية، بل سجين هاجس اللعبة بعد أن كان سجين معاناته اليومية لتفرض عليه حربا نفسية من نوع آخر ذات طابع إلكتروني تهدد حياته الأسرية السليمة، فإلى متى سيظل هذا الشعب سجين أفكار غيره؟ مقيدًا بسلاسل وهمية وافتراضية تقيد حريته الفطرية أكثر من حريته الفكرية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد