أبو الحسن والتصدي لأول إنقلاب للقوى المدنية والدولة العميقة في عهد الدولة الإسلامية

الجماهير يعلنون متطلبات الثورة دون وعي أو فهم لطبيعة الأحداث، طموحات الجماهير ومتطلبات ما بعد الثورة تلاحق الخليفة الجديد، الأحداث الضاغطة تتسارع والمعارضة السياسية تنمو يومًا بعد يوم، لا أحد يدرك حجم المسؤلية التي تقع على عاتقه، أمام وتيرة الأحداث يتخذ الإمام عليّ قرارًا إستراتيجيًا طموحًا بتغيير كل ولاة عثمان، وهو أحد أهم مطالب الثوار، ترى هل القرار صوابًا؟

هل الأمصار مهيئة لتلقي تغييرات جذرية في النظام السياسي والعودة إلى مركزية الفاروق؟ هل الشخصيات القادمة تحمل صفات الكاريزما المطلوبة، والتاريخ الكبير لكبح جماح موجات الارتداد في الكوفة والبصرة، وسيطرة الأمويين في مكة والشام؟

هل الأوزان النسبية للقادة الجدد بحجم الوقوف أمام لا مركزية معاوية والدولة الناشئة في الشام والتي تجاوزت في قوتها دولة الخلافة نفسها لحظة الانهيار؟أسئلة يبدو أنها لم تتوارد على عقل أبي الحسن في لحظات وحشة الطريق.

الرؤية جاءت متسرعة والأسماء المطروحة كانت من الصحابة الذين اتصفوا بالزهد، وليست لأسمائهم شهرة كبيرة خارج المدينة، مثل قثم بن العباس على مكة، وعثمان بن حنيف على البصرة، وسهل بن حنيف على الشام. والتف حول عليّ كبار الصحابة وأعلام بني هاشم، مثل عبد الله بن عباس، ومحمد بن الحنفية، ومحمد بن جعفر، وأبي أيوب الأنصاري، وعمار بن ياسر، وهنا تخلو دار الخلافة من الشخصيات الفارقة التي تكَون نفوذها في عهد عثمان والتي رأت أن تنتظر عما سوف تسفر الأحداث.

دخلت معظم الأمصار في طاعة عليّ الكوفة والبصرة ومصر، ورغم أنه لم يكن دخولًا سلسًا، إلا أنه كان حذرًا، فالمواجهة المتوقعة كانت في الشام، حيث أرسل معاوية رسالة بيضاء إلى عليّ مختومة ومكتوب عليها «من معاوية إلى عليّ»، وأوصى رسوله بإبراز الرسالة عند الوصول إلى المدينة حتى يراه الناس. فلما رآه أهل المدينة علموا أنه رفض البيعة، وأخبرهم أن هناك 50 ألف رجل يبكون تحت قميص عثمان، وهو معلق في جامع دمشق. الرسالة نقطة فاصلة في تطور الأحداث بعد أن جمعت البيعة لأبي الحسن من كل الأمصار.

بيد أن موقف معاوية الرافض، على خطورته، لم يكن الشاغل الوحيد للخليفة، إذ إن هناك تيارًا معارضًا ينمو سريعًا في اتجاهٍ مخالف لإستراتيجية الإمام في الحكم، وهو اتجاه طلحة والزبير رجال الدولة والمنوط بهم الوقوف في صف الخليفة، اختلفوا في ضرورة وحتمية إقامة الحد على قتلة عثمان، بينما يجيب أبو الحسن برؤيته التي تفيد وعيًا وعمقًا «إني لست أجهل ما تعلمون، ولكني كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم» لم يقتنعا برؤيته واستأذناه للخروج لمكة لأداء العمرة، على الرغم من أنه كان يعلمه أن خروجهما يشكل خطرًا على شرعيته؛ لأن تفريغ المدينة وخروج رجال الدولة منها يضعف سلطة الخليفة، لكن يبدو أن هناك اتجاهًا لمعارضة أبي الحسن وتيارًا مستقلًا بدأ يتشكل حيث لا يخفي طموح طلحة في ولاية البصرة والزبير في ولاية الكوفة، إلا أن عليًا رفض وقال لهما: «تكونان عندي فأتحمل بكما، فإني وحش لفراقكما».

التاريخ يعيد ذاته بكل تفاصيله، رجال الملاحم بالأمس هم معارضو اليوم والجميع على حق ولا أحد يستطيع أن يخطئ الرجال، المواقف التي لم نتوقف يومًا ما لدراستها سياسيًا عادت بنفس تفاصيلها مع أحداث الربيع العربي ما صنع المواقف القاسية التي تمر بها الحركة الإسلامية الآن، التحرك الإستراتيجي الذي غيّر الأحداث هو تداخل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في مسار الأحداث، هنا التحول التاريخي، أم المؤمنين في مكة تحت تأثير الآلة الإعلامية الضخمة للأمويين الذين فروا من المدينة وقت حادث اغتيال عثمان.

هنا لم يبايع المكيون عليًّا رضي الله عنه مع مناداة أم المؤمنين بالقصاص لدم عثمان في وقت لم تكن هي في المدينة أثناء الأحداث، ولم تشاهد المواقف، لكن الموقف الأحادي تشكل تحت تأثير الآلة الإعلامية لبني أمية في مكة، أضف أنها أيضًا لم تكن على وفاق مع عثمان، وكانت في جبهة المعارضة، لكن موقفها ينبع من كون أنها أم المؤمنين والجميع أبناؤها فدخولها على الخط السياسي حتمًا سوف ينتقص من شرعية الإمام عليّ في توقيت يحاول فيه الرجل جمع الكلمة.

وعلى هذا فالتحرك الذي كونته أم المؤمنين واتخذ واجهته طلحة والزبير فيم تولى الأمويون التمويل والتعبئة تحول من مطلب عام بدم عثمان إلى مطلب فئوي للأمويين فيما بدت انتفاضة قرشية بدأت تتكون ضد علي في محاولة لإسقاطه بتكتيك عالي الدقة أحكم بليل لصالح بني أمية.

أبو الحسن أمام مواجهة حالة معارضة شرسة من القوى المدنية الفاعلة داخل قريش مع الدولة العميقة التي تسيطر على موازين المصالح وغرف التجارة داخل مكة، واعتبرها حالة انقلاب مجتمعي ضد الخليفة، حيث تبلورت حالة من إعادة ترتيب المصالح القرشية في عهد عثمان، واستعادة قريش مكانتها التجارية مع طموح بني أمية في عهد عثمان.

هنا لا يخفي على أحد أن تحرك قريش كتاجر يخشى خسارة المعركة في محاولات قوية لإبعاد عليّ عن الخلافة؛ لأن أبا الحسن هو الامتداد الروحي لمركزية الفاروق ونظام إدارته، وهو ما لم ترضه قريش. وكان عليّ يدرك ذلك، وكان يتوقع معارضة شرسة دائمًا من قريش في كل موقف يخطوه. إذ إن مكة والشام فقط اللتين لم تعطيا الولاية لعلي. تلك وحشة الطريق التي تكسر ظهر الرجال، ذلك قهر الرجال عندما يخطب أبو الحسن خطبته المطولة في البصرة «مالي ولقريش، والله لقد قاتلتهم كافرين، ولأقاتلنهم مفتونين، وإني لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم، والله ما تزحم منا قريش إلا الله، اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيزنا».

أنت داهية العرب وحكيمهم يا أبا الحسن، ولولا أنك رجل حرب وفارس عبقري فلو تجاوزت الحق يومها لملكت العرب، ولكنه صبر الرجال، فأي صبر التزمت  أمام كل تلك النوائب. اليوم عليك أن تخرج من مدينة الحبيب إلى العراق لتلاقي إخوان الأمس في مواجهة هي الأولى في دولة الإسلام. أي جلد هذا الذي أوتيت، والجميع ينفَضون من حولك، بينما تحاول أنت أن تجمعهم. قسوة المشاهد تتسارع أمامنا، ولو أنا معك يومها لتجاوزنا ما كان من أخطاء، وما تركناك في باحات الحرب بلا رجال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد