في عام 2020 ، يشاء الإله الحكيم ، أن يشهد شهر

 

مشهد (العبارة) 

-في ساعة متأخرة من ليل الثاني من فبراير، عام 2006، وسط مياه البحر الأحمر الهادرة، في منتصف الطريق  تقريبا بين ميناء «ضبا» السعودي، ومدينة «سفاجا» المصرية، داخل غرفة التحكم بعبارة «السلام 98»، وبلهجة يملؤها الفزع، يعلو صوت مساعد القبطان قائلا: السكعة دلوقتي 25 درجة، المركب هتقلب يا قبطان.

(السكعة، يُقصد بها درجة ميل السفينة).

-يجيبه القبطان بنبرة هادئة: كلمولنا الـ… يعني مش عارفين يعملوا «الملص» أنا مش قادر أفهم يعني،

(الملص أو البلص بلغة البحارة، يُقصد بها خزانات المياه التي تحفظ توازن السفينة، وقد امتلأت في هذا الوقت بمياه البحر، التي ضخها عمال المركب، في محاولة إطفاء حريق شب في أحد المخازن، لم تتمكن «بالوعات المياه» المسدودة من تصريفه).

يسيطر الرعب على من في المكان، يبدأ الركاب في الصراخ، يواصلون الطرق بأيديهم على باب حجرة القبطان.

-يظهر صوت أحد مساعديه متألمًا: هدي الناس، هدي الناس

مشهد (التحرير)

الناس تصيح مساء الثامن والعشرين من يناير 2011، وسط ميدان التحرير، تعلو هتافات الملايين: عيش، حرية، عدالة اجتماعية.

لم يُثنهم عنف وبطش قوات الأمن، ومئات القتلى الذين سقطوا من بين صفوف المتظاهرين السلميين، خرجوا، تدفعهم الرغبة، في تغيير أفضل لواقعهم المُزري، عقب دعوات للتظاهر امتلأت بها فضاءات مواقع التواصل الاجتماعي، متخذة من نجاح الثورة التونسية في خلع طاغيتهم «زين العابدين بن علي» أسوة وقدوة، ومن عصر يوم الخامس والعشرين من يناير، شرارة الانطلاق.

لم يستجب مبارك طوال ثمانية عشر يومًا، لمطالب شعب كان يصرخ من فساد استشرى والتهم جنبات دولته المهترئة بالأساس، فساد أشارت إليه تقارير محلية وعالمية، منه تقرير منظمة الشفافية الدولية، في سبتمبر 2009، الذي أظهر ترتيب مصر متأخرًا، في المركز 115 من 180 دولة حول العالم.

فساد أزكمت رائحته الأنوف، وظهر جليا في تورط عدد من الوزراء مثل وزير الإسكان الأسبق محمد إبراهيم سليمان، الذي اتهمته النيابة العامة بتلقى رشاوى 20 مليون جنيه من ثلاثة رجال أعمال، فقام بفضح سلفه وزير الإسكان الأسبق حسب الله الكفراوي، بتقديمه مستندات تثبت تخصيص جزيرة كاملة في مارينا، لمجموعة بن لادن، مساحتها 100 ألف متر مربع، و80 ألف متر أخرى، لعدد من رجال الأعمال والمستثمرين بواجهة نصف كيلومتر علي البحر مباشرة، وعدد أخر حصل كل واحد منهم على 10 آلاف متر بالتخصيص في مارينا المنطقة 24.

فساد بات ينخر في عظام دولة كاملة، قامت أحد أجهزتها الرقابية الحكومية (وهو الجهاز المركزي للمحاسبات) في تقريره بمارس 2010، عقب فحص ختامي للموازنة، بالكشف عن اختفاء تريليون و272 مليار جنيه من الميزانية العامة للدولة، مع محاولات حكومية للتعتيم عليه، كما أشار لوجود صناديق خاصة تحوي هذه المبالغ الضخمة دون معرفة أين تذهب، وهو مبلغ يساوي 14 مرةً ضعف العجز الموجود بالموازنة، ولو وُزِع على أفراد الشعب بأكملهم، لأصبح نصيب المواطن الواحد منهم -في هذا الوقت- 16 ألف جنيه.

وفي تقرير آخر لذات الجهاز،صدر في 4 يناير 2010، أشار لكون 12 مليون مصري، لا يجدون لهم مأوى؛ مما يدفعهم للمعيشة في العشش والمقابر والعشوائيات.

 وفي عام 2004 صدر تقرير عن الصندوق الدولي للتنمية الزراعية التابع للأمم المتحدة، أكد فيه على وجود 48 مليون مصري فقير يعيشون في 1109 مناطق عشوائية. ووصف التقرير هؤلاء الفقراء بأنهم جوعي ومرضي.

وأشار التقرير إلي تعرضهم لكل أنواع الحرمان من الغذاء والمأوى والتعليم الجيد والرعاية الصحية الكاملة، وأوضح التقرير أن شريحة الفقراء في مصر تمتد وتتسع كل يوم، في ظل انخفاض معدل الأجور وعدم وجود سياسات فاعلة للحد من نسبة الفقر، مع استمرار فرض المزيد من الرسوم التي يتحملها فقط الفقراء.

وتقرير آخر من الأمم المتحدة للتنمية البشرية صدر في 5 ديسمبر 2007، أكد على أن 14 مليون مصري تحت خط الفقر وأن 1% من الأغنياء يسيطرون علي نصف الثروات، وأن نسبة الفقراء في البلاد تصل إلى ما يقرب من 55% من الشعب المصري.

فساد تخطى حدود الفزع، ظهر في تقرير لمنظمة الصحة العالمية الصادر في ديسمبر 2007، والذي أكد أن مصر ثالث دولة في العالم باعتبارها أكبر سوق لتجارة الأعضاء البشرية.

مسلسل فساد لم يتوقف طوال عقود، تابع المصريون حلقاته الدامية، وما شهدته من حوادث مؤلمة، ونزيف دماء مستمر، كان منها على سبيل المثال لا الحصر، مقتل 217 في حادث سقوط طائرة مصر للطيران عام 1991، وغرق 476 شخصًا على متن عبارة «سالم إكسبريس» 1991، وتفحم أكثر من 350 مصريًا في حريق قطار الصعيد عام 2002، و50 آخرين في حريق بمسرح بني سويف عام 2005، وغرق أكثر من ألف مصري عام 2006، كانوا على متن «عبارة السلام 98».

مشهد (العبارة) 2

تُدوي أصوات الصفارات المتقطعة، وكأنها تصرخ مؤذنة بغرق السفينة.

-يعلو صوت المساعد قائلا: الوضع خطير جدا يا قبطان!

-يرتفع صوت القبطان: اطلب ضومان، اطلب ضومان.

(ويُقصد بها إدارة دفة السفينة بشدة، نحو اليمين أو اليسار)

تستمر الأشياء في السقوط، تتعالى أصوات الركاب.

-يأتي صوت المساعد محذرًا: المركب بتغرق يا قبطان!

-يكرر القبطان قوله: اطلب ضومان.

-يصيح المساعد، وعلامات الرعب تسكن صوته:

طيب والناس، الناس يا قبطان؟!

-القبطان: كله شمال، كله شمال

(لا أدري حقيقة، إن كان يقصد توجيه السفينة نحو الجهة اليسرى، أم يصف أوضاع دولة غارقة لأذنيها في وحل الفساد!).

-وبصوت يملأه الأسى، يردد المساعد: المركب غرقت يا قبطان،

-من بعيد، يبدو صوت الركاب وهم يصيحون، مرددين  عبارات: (لا حول ولا قوة إلا بالله).

-يتردد صوت المساعد الآخر قائلا: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله.

-وبنبرة هادئة، أو ربما لا مبالية، يظهر صوت القبطان في الخلفية: استنونا بس يا جماعة.

(حتي لحظات الغرق الأخيرة، ظل ربان السفينة يماطل في اتخاذ قراره بالاستغاثة، رغم استمرار الحريق على مركبه، لأكثر من 4 ساعات، رفض كذلك العودة إلى ميناء ضبا السعودي، الذي كان يبعد عنهم 28 ميلاً فقط وقت الحريق، كما امتنع عن تحذير الركاب من الغرق، أو إعطائهم سترات النجاة، كذلك رفض إنزال مراكب الإنقاذ أو الرماثات، والتي غرقت جميعها مع العبارة، باستثناء مركب واحد، يسع ثلاثون شخصًا، شاهده الناجون، يتحرك بين الغرقى، وعلى متنه قبطان السفينة واثنان آخران).

وبمنتهى الألم، يصرخ المساعد يائسًا: استنونا إيه بس يا قبطان؟! المركب غرقت، مفيش لايف جاكيت هنا يا جماعة، أي لايف جاكيت؟!  مفيش؟!

ثم ينقطع الصوت..

بدت وكأنها عبارة الختام، في نهاية فيلم سوداوي حزين، هيمَنَ الصمتُ، معلنا غرق عبارة «السلام 98»

تاركة خلفها 1415 مسافرًا، يصارعون أمواجًا هادرة، في ظلام حالك، لمياه تقترب حرارتها من التجمد، في ليلة شتوية باردة، مع  أعداد قليلة جدًا من سترات النجاة، أثبتت التحقيقات فيما بعد، عدم صلاحية أغلبها للاستخدام.

ولم ينج من الحادث، سوى 388، كان للبحرية السعودية، وسفينة بنغالية، وأخرى بريطانية، الفضل في إنقاذهم، بعد أن زعمت البحرية المصرية أنه لم يصلها تنبيهات غرفة الإنقاذ التابعة لسلاح الجو البريطاني، والتي التقطت إشارات استغاثة أوتوماتيكية من العبارة، ونقلتها إلى السلطات المصرية.

السلطات التي لم تتقاعس فقط عن إنقاذ الضحايا من براثن الموت، بل تأخرت كذلك في البحث عن الجثامين، حيث فُقدت أغلبها، ولم يرجع منها سوى 185.

 وبخلاف 99 مواطنًا سعوديًّا، كان بقية المسافرين وطاقم السفينة من المصريين، البعض منهم كان يطمح في العودة لوطنه بعد أدائه مناسك العمرة، بينما الغالبية العظمى، كانوا من العاملين في المملكة العربية السعودية أو أسرهم، الراغبين في إجازة يقضونها مع الأهل، تخفيفًا لوطأة سنوات غربتهم العجاف، والتي لجأوا إليها، بحثًا عن لقمة عيش لم يجدوها في بلادهم، وهي تئن من نِير الظلم والفساد والاستبداد.

مشهد (التنحي)

في عام 2011، الثاني عشر من شهر فبراير، وبعد ثورة شعبية، طالب فيها المصريون بخلع رأس الفساد والاستبداد.

كانت مصر على موعد مع وفاة «مبارك» الأولى، حين أعلن المجلس العسكري تنحيه عن الحكم، في صفقة ظهرت ملامحها لاحقًا، في أحكام براءة شملته وشملت أبناءه وجميع رموز حكمه من كافة قضايا السرقة وإهدار المال العام، وحتى قتل المتظاهرين، واقتصرت على «قرصة أذن خفيفة» تمثلت في حكم بالسجن ثلاث سنوات لم يقض منها يومًا واحدًا، في قضية فساد عُرفت باسم القصور الرئاسية، قضاها مبارك في جناح فاخر بمستشفى المعادي العسكرية، بينما تنقلاته منه وإلى المحكمة، تمت في حراسة الشرطة المصرية، عبر طائرة مروحية.

مشهد (المحاكمة)

 في 2008، وبعد محاكمة استمرت عامين كاملين، قدم فيها ادعاء أهالي ضحايا عبارة السلام، أدلة دامغة، تثبت إجرام قبطان السفينة، ورفضه كافة الحلول التي من شأنها إنقاذ الركاب، بل وتورط مالك العبارة، إما بالفساد والإهمال الذي جعل عبارته تفتقر لكل إجراءات السلامة والأمان، أو بالتقاعس المتعمد عن إنقاذها، بعد معرفته بموعد الغرق، طمعًا في الحصول على مبلغ التأمين، خاصة مع اقتراب سفينته القديمة والمتهالكة، بعد أربعة عقود لها على الإبحار، من موعد التكهين.

 إلا أنه في جلسة، لم تستمر سوى 15 دقيقة، تم تبرئة جميع المتهمين، على رأسهم «ممدوح إسماعيل» مالك العبارة ونجله «عمرو» الهاربان إلى لندن، وقبطان السفينة وثلاثة آخرين.

مشهد (الوفاة) 

في عام 2020، يشاء الإله الحكيم، أن يشهد شهر «فبراير»، الوفاة الثانية، للطاغية الذي خلعه شعبه، من حكم دولة استمر على رأسها ثلاثة عقود، تركها منهكة، مثقلة بالديون، متخمة بملفات الفساد والإهمال، راكعة ذليلة لأعدائها، طاغية مستبدة على أبنائها من المواطنين.

وبخلاف ثروة مالية، قدرتها صحيفة الجارديان بسبعين مليار دولار، قام بتهريبها للخارج، عبر سنوات حكمه التعيس، جمدت سويسرا وحدها 700 مليون دولار منهم، في أحد بنوكها، بعد ساعات من تنحيه.

ترك «مبارك» ميراثًا ضخمًا من الخزي والعار، كقبطان  سفينة انتهازي فاسد، من أجل مصالحه الضيقة؛ تعمد إغراق المركب، ولم يحرص مطلقًا على حياة المسافرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد