الجنسانية ظاهرة تاريخية وثقافية نعترف بها

في كتاب «معجم ميشيل فوكو» تطرّقت الكاتبة جوديت ريڤات، إلى مصطلح «الجسد؛ الاستثمار السياسي» كما قدّمه فوكو.

فوصف ذلك بأن هناك تيار سياسي يراقب الجسد على المستوى الفردي، فيكون الجسد تحت يد السلطة، عن طريق التعذيب، والتمثيل، والتقييم، والرمزية، والترويض، بدءًا من المدرسة ونهايةً بالمصنع، وهم من أطلق عليهم اسم «المتعاقدين»، وهذا عندما شُرِحَ مصطلح السّياسة الحيوية كما قدمها ميشيل فوكو، وهي تشير إلى ممارسات وصلاحيات شبكة السلطة التي تدير تخصصات الجسد والسكان، أيّ الأفراد، إنها منطقة لقاء بين السلطة ومجالات الحياة القائمة على الاستهلاك الفردي، والمؤثرة في سلوكياته، وقِيَمه، وثقافته، كما أن فوكو يرى عُمق المشكلة يكمن في أن العامل والتلميذ والجندي «الأفراد» مهمشون عن كشف حقيقة السلطة، بل هم جزء منها ومن مسيرتها في التحكم في البيئة، وهذا بشكلٍ مُمنهج، إذ إن السياسة الحيوية كما ذُكر سابقًا، تشير إلى السياسة التي تمارس سلطتها على كائنات بيولوجية يعيشون في وسط بيئي معين.

ودخل فوكو من هذا الباب إلى علم الجنسانيَّة «بوصفها ظاهرة تاريخية وثقافية نعترف بها» لمحاولة فهم السياسة الحيوية للمجتمع من خلال الجسد، وشارك في هذه المرحلة محادثات مع الحركة المثلية، وأشار إلى أن هذا الصّراع والنضال من أجل الجسد، هو الذي جعل من الجنسانيَّة مسألة سياسية وجودية يُصارع من أجلها المثليون للحفاظ على حرية أجسادهم، وإضافةً إلى ذلك، في كتابه تاريخ الجنسانية، رأى أن الجنس شيءٌ قمعته العصور السابقة، خاصة في القرن التاسع عشر، وأنّ العصور الحديثة كافحت من أجل تحريره، معتبرًا أنَّ «الجنس» فكرة معقّدة أنتجتها سلسلة من الممارسات، والتحقيقات، والأحاديث، والكتابات، والخطابات، ووفق تفسير فوكو، بُنِيَ «الجنس» من قبل الخطابات المرتبطة مع الممارسات والمؤسسات الاجتماعية المتنوعة؛ الكيفية التي يتعامل بها الأطباء، ورجال الدين، والمسؤولون الحكوميّون، والعمال الاجتماعيون وحتى الروائيون، مع الظاهرة التي يعرّفونها على أنّها ظاهرة جنسية.

حسنًا، فكرة الفيلسوف فوكو، هي باب لنا لتفهم ماهية الجسد وصلته بالسياسة، ومن أكثر الأمثلة غير المتقبَّلة للبعض هو وضع الحجاب والنقاب في خانة الشرح والتجسيد لهذه الحالة، وسوف نسميه التحكّم بجسد المرأة، والبعض الآخر يزعجه المثلية الجنسية، كونها تخالف قِيَم المجتمع الناطق بالعربية «مع التحفظ على تعريف هذه القِيَم، والحثّ على تطويرها لمرحلةٍ أفضل»، والتي هي أيضًا تمثّل شرح لهذه الحالة، وسوف نسميه حرية استخدام الجسد، لكن، ومع كل ميولي نحو الدفاع عن الحريات، أودّ بشدّة تفهم أن الموضوع ليس نقدًا لحرية الحجاب أو غيره، بل هو وضع فاصل يوضّح دلالات هذه الظواهر، وهذا لا يمنع تفهم أن الحجاب بتعريفه الخام بعيدًا عن وقع استخدامه اليوم، والنقاب على وجه التحديد، أنه قد نشأ من لغة دينية سياسية، وما زال مستمرًا لليوم باستخدامهِ على أنه لغة سياسية تمثّل الإسلام السياسي، وبالطبع لا يُمكن تعميم هذه النظرة تبعًا للتشويش الحاصل على تعريفات الحجاب والاقتناع به، وكم هو ضمن دائرة الحرية الشّخصيّة، ولكنه بالوقت نفسه ركيزة في خطابات الشيوخ والواجهات الخطابية الإسلامية بأغلبيتهم الساحقة، فالدين يقوم على امتلاك الجسد بالخطاب والترويض والاحتكار، «وهذا يُذكرنا بتعريف فوكو عن ربط الجنسانية بالسياسة الحيوية»، ويجب أن نوضّح أن الحجاب منذ فجر الإسلام حتى اليوم، ما زال محط جدل سياسيّ، بين اليمين واليسار، ويترتّب عليه كمية هائلة من الجدالات السياسية عن طبيعة المجتمع، السياسة الحيوية، الوعي الاجتماعي، ومنه ننتقل للأكثر أهمية؛ السياسة التربوية في المدرسة، السياسة التربوية في المنزل، السياسة الإعلامية، الجندي لحماية هذه الظاهرة «المجتمع الأبوي» كل هذا يستخدم جسد المرأة كدلالة رمزية في الظاهر، ولكنه في باطنه لغة سياسية كاملة تصف روح المجتمع، ومدى وعيه، وتفاصيل تفكير.

ومنه ننتقل إلى المثلية الجنسية، حرية استخدام الجسد، بمقارنة بين الدستور الداعم لهم والدستور الذي يجرمهم، نجد فارق اللغة السياسية التي تتجذّر بكل نواحي الدستور والوعي الاجتماعي، ولهذا استخدام الجسد هنا «جسد المثليّ جنسيًا» أصبح لغة سياسية لتوصيف الوعي الاجتماعي لهذا المجتمع، ودرجة وعيه، وتقبُّله للآخر ومفاهيم الحريات، وفي جهة معاكسة، يُمكن أن نرى ربط السياسة الرأسمالية، الاقتصاد، التسليع مع الجسد، كيف يمكن تحويله إلى سلعة اقتصادية كاملة، وهذا من خلال عدّة وسائل ترويجية ربحية، وهنا لربما مع بعض التركيز نجد أن هناك رابطًا قويًّا بين نوعية هذا الترويج للجسد من خلال التسليع والعبودية مع اللغة السياسية القائمة في النظام الرأسمالي.

وفي الأنظمة القمعية الصناعية القديمة، والتي انتهت حاليًا بشكلٍ جزئيّ، نستطيع التكلّم عن جسد الرجل في البداية، فيستخدم دائمًا استراتجية ترويض الجسد، وهذا يبدأ في المرحلة الابتدائية في المدرسة الحربية، وفي العقاب والمكافئة، السجن والاعتقال، إذ يروض الجسد من خلال الضرب، الإهانة الجسدية، العقاب بالإنهاك الجسدي، وهذا ما يُشكل فاصلًا بينه وبين الإنتاج الفكري، كون الفكر والجسد يمثلان علاقة طردية؛ لينتقل إلى مرحلة المصنع، حيث يصبح الجسد وسيلةً للعيش والحياة، والقوة البدنية الجسدية هي باب البقاء على قيد الحياة، ومن هنا بدأت بعض قِيَم الرجولة قائمة على مدى القوة الجسدية، كونه يعد أداة حربية وصناعية بالمرتبة الأولى.

لكن بالنسبة للمرأة، يستخدم جسدها على أنه حاجة تناسلية بحته، فيتم قولبته على أنها أداة للزواج، والجسد الجميل، هو من يمثل البقاء على قيد الحياة، طالما أنه سوف ينال إعجاب الرجل ويبرم صفقة معها «المؤسسة الزوجية» وهذا ما وضع بعض قِيَم المرأة في المجتمع الحالي، كونه لليوم لم تخرج المرأة من قالب العورة، قالب العمل في المنزل والحدّ من محاولة توسعها في الخبرات، وهذا نسبةً لاعتبار جسدها ملكية خاصة ولا يجدر بها الاختلاط، كل هذه القِيَم قائمة على اعتبارات تخص جسد المرأة بذاته، ومن ذلك نفهم علاقة الجنسانية مع السياسة الحيوية، هذه اللغة من استخدام الجسد تصف النظام المذكور أعلاه بدقّة، إذ لكل نظام اجتماعي توجّه معيّن لدى الجسد، حتى على المستوى الفنيّ، فإن شاهدنا لوحة عن جسد امرأة عارية سوف يتراوح تفكيرنا نحو فنانٍ أوروبيّ من مجتمعٍ ليبراليّ، كونه في المحور الغربي يوجد هذه الروح على اعتبارات الجسد أنه جمال ولا يُعيّب به، وهذا ما يحصر رؤيته على شكلٍ فنيّ، لكن لتوضيح اختلاف الاعتبارات من خلال رؤية الجسد، سوف تمثل اللوحة في المجتمع العربي، ومن فنانٍ عربي، أنها انحلالٌ أخلاقي، وهنا يكمن اختلاف الثقافات.

وهكذا نكون قد اطلعنا على علاقة السياسة الحيوية بالجنسانية، وكيف أن الجسد يشكل لغةً سياسية ثقافية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد