عن سوريا، نتكلم، وكم تكلمنا، وكم تكلموا، وكم تألمنا وكم تألموا، ولا هذا تعلم، ولا هؤلاء تعلموا. «خان شيخون» حدث فاصل جديد، قصف آخر، ومدنيون عزل من جديد يتساقطون في لعبة سياسية أصلها طاهر، امتدادها نجس.

الملفت للانتباه، انتباهي أنا بشكل خاص، هو صحوة الإنسانية، فقد تعودنا أن نقرأ يوميًّا عن وفيات، وعن أشلاء وضحايا وجثث وقصف، أسر مشردة، وعائلات انتهت عن بكرة أبيها، ولكن تعود سوريا من جديد، لتضع لنا حدًّا فاصلًا بين هذا الخيال الذي قررنا تجاهله، واعتباره لا يتجاوز شريط الأخبار، وبين الحقيقة المرة المؤلمة التي تقع على تلك البقعة المبتلاة، نسأل الله أن يكونوا في منزلة الأنبياء، كونهم من أشد الناس ابتلاءً.

في خان شيخون، القصف جاء من حيث جاء، وبدون دخول في تعقيدات سياسية كثيرة، ليس لها جوهر يبنى عليه، نقول باقتضاب إن رأينا هنا هو «التجربة»، لماذا يقرر نظام الأسد أن يضع نفسه من جديد موضع «القاتل»، الإجابة هو الاختبار، من ضرب هو سلاح جو، وبالتالي من يملكونه ويملكون قدرة التحليق في تلك المناطق معروفون، وبالتالي إن لم يكن الجيش السوري الأسدي هو من فعل، فبالتأكيد سيكون تابعًا له.

لماذا الغازات السامة؟ سؤال وله جواب منطقي، فقبل عدة أعوام اختبر الرئيس الأمريكي باراك أوباما بنفس الأسلوب، وكان هناك قرار بتحرك عسكري على سوريا، ولكنه لم يتم تنفيذه، لأن صاحبنا كان له رأي سياسي لا يميل لاستخدام العنف، وعلى وجه آخر، رئيس الولايات المتحدة الجديد الآن تحت الاختبار، وهو اتخذ قراره «إذا أردتم أن تجربوني فهذا هو رد فعلي».

لم يسم على أحد، ولم ينتظر أن يكون هناك مفاوضات، أعلن عن نفسه، أنا لست أوباما جديدًا، رسالة تم توجيهها للجميع، كان ضحيتها بالأساس 70 مواطنًا سوريًّا، وضعتهم الظروف موضع التجرية.

فبعد ساعات قليلة جاء رد ترامب، بقصف مطار طياس العسكري بـ59 صاروخ توما هوك، بزعم أنه هو نفسه الذي خرج منه قابض أرواح السوريين السبعين.

بعد القصف مباشرة، حدث ما يضحك ويبكي، القوى أعادت تجيشها من جديد، والتحالفات التاريخية عادت لمواقعها، والجميع توحد وراء ترامب، بينما وجد بوتين وبشار وروحاني أنفسهم يغردّون خارج السرب.

بعدما كان الأتراك لديهم غصّة في حلقهم نحو الأمريكان، عادوا الآن يثمنون القصف، والأوربيون، والعرب، ببساطة كل الخلافات الظاهرية، فجأة اختفت، وبات ترامب هو النموذج المثالي للرد على بوتين، حتى أن مسئولًا أظن أنه وزير الخارجية الفرنسي قال: «كنا ننتظر تلك الضربة منذ عدة أعوام».

سيد المنزل عاد من جديد للصياح بصوت عالٍ، ووقف أمام المعلم «بوتين».

وكانت الأنظار تتجه لمعركة الرقة لطرد تنظيم داعش، فجأة تحولت دفة الصراع نحو إدلب، تلك المدينة المحاصرة، والتي تحوي بين جنباتها مقاتلي الجماعات المسلحة، أصبحت مقرًا للتجارب، بعدما باتت مستأنسة، بفضل الحصار التركي لهم، ومنع تزويدهم بالسلاح.

لا نقول إن معركة الرقة ستؤجل، ولكن نقول إن شكل المعارك سيتغير، الدبلوماسية ستنزوي قليلًا، والعسكرية ستتحدث كثيرًا، الرسالة بالأساس لبوتين «عد خطوات للوراء.. أنت لست سيد العالم»، وبعد الرسالة، ستجد أمريكا الآن لنفسها موطئ قدم لزيادة الانتشار العسكري، لتجابه أول ما تجابه «بوتين»، وليس داعش.

هل العالم صار أقرب لحرب عالمية؟ نعم، ويمكنكم أن تتطلعوا على مقال سابق كنت قد كتبته قبل نحو ثمانية أشهر، بعنوان «الترامبية الجديدة» في الرابط التالي أتكلم فيه عن شكل العالم مع الرئيس الأمريكي الجديد.

ولكن باختصار، لماذا صار أقرب للحرب؟ بالتأكيد لا أعني تلك الضربة تحديدًا، ولكن أشير لتلك الرسالة، القوات تتجيش وتتجمع، الحل العسكري بات يلوح في الأفق، القصف لم يفرق سواء كان في القاعدة السورية قوات سورية أم روسية، إنما قرر القصف فقط، روسيا ردت بأن ألغت التنسيق الجوي مع أمريكا فوق سوريا، في تلك المعارك ستكون القوات على حدود التماس، قد يؤدي خطأ جندي واحد، لتحمل البشرية خطيئته.

هذا غشيم، وذاك غشيم، ومن ورائهم فرق من الطبالين والراقصين، والمهللين، وأصحاب الأموال، ومستخرجي النفط، والنحانيح.

في سياق متصل، أقول، لا داعي للتعليق على الخلاف العربي العربي على المستوى الشعبي والمحللين، بين من يؤيد القصف الأمريكي ومن يرفض، ومن يتحدث عن السيادة والنظام وهذا «الهري»، هؤلاء عليهم أن يعثروا على مصطبة جيدة، وأكواب من الشاي ليتبارزوا كلاميًّا، وصولًا لمرحلة «السباب» في هذا الشأن.

العالم سينتفض من أجل الإنسانية؟ معذرة يجب أن أضع هنا ضحكة صفراء على وجهي، فلا سنت سينفق من أجل إنسان، خصوصًا لو كان عربيًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد