لم أكن أشك يومًا بحبي للتاريخ، منذ الصغر وأنا أحب سماع الحكايات القديمة، تلك الحكايات التي يرويها جدي على مسمعي فتأخذني إلى عالمها الخاص. لعل مشهد هاري بوتر – عندما نقله الكتاب إلى موقع الحادثة ليراها رأي العين دون أن يؤثِّر بها – يظهر في الخلفية الآن.

بعد دخولي للمدرسة تغيرت رؤيتي للتاريخ، وحسبت أن قَصص جدي صالحةٌ للحكي فقط، لكنها غير صالحة لدراسةِ التاريخ؛ فالتاريخ الحق – أو هكذا ظننت – هو الذي نحفظ فيه الحوادث ووقت حدوثها والأسباب والنتائج دون تغيير حرفٍ واحد، وبالطبع فالتاريخ ينقسم لجزئين: دراسة في نواحي الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية، وسرد لحوادث التاريخ، ولا يوجد أيُّ ربطٍ بين هذين الاثنين.

لم أحب التاريخ بهذه الطريقة، أحسست أنه لا يناسبني، وأن له أهلَه الذين سيدرسون الجزأين دون وجود رابطٍ بينهما مع حفظٍ أصم للتواريخ والأحداث، لذا فضلتُ كتابة الأرقام دون حفظٍ لها فيما يعرف بالرياضيات والهندسة، وأنت تعرف القصة الباقية.

الآن وبعد اندماجي قليلاً في دراسة التاريخ والاطلاع عليه تبين أن هناك شيئًا أعمق من مجرد النظر المجرد إلى الأحداث وحفظها، إنما توجد روابط تربط هذه الأحداث، وعوامل نفسية واجتماعية تؤثر في المعطيات والنتائج، وتغير في عقلية البشر مع اختلاف الأزمنة والأمكنة.

من هنا جاء هذا الكتاب مختلفًا، ليس مختلفًا فيما حواه من أحداث؛ فبعض الموضوعات كانت معروفةً بالنسبة لي، وبعضها كان يتردد بكثرةٍ على ألسنة الناس من فرط شهرته، والبعض كان جديدًا عليَّ لكنه معلومٌ بالنسبة للدارسين على الأقل، لذا أقول إن الكتاب لم يخترع مواقف جديدة، لكنه تفرَّدَ بطريقةِ معالجته للأمور، طريقة النظر إلى الموقف والتأمل فيه بعين البصيرة.

يذكر الكاتبُ بعضَ المواقف التي حدثت في مصر، على هيئة قصصٍ مليئة بالتشويق، حاول سردها مراعيًا التسلسل التاريخي، لكن هذا لم يكن هدفه – ربما لأن الكتابَ كان في الأصل عبارةً عن مقالاتٍ تنشر في باب «كان وأخواتها» في صحيفة الوفد – إنما هدفه أن يطرحَ الأسئلة ويحييَها في عقل القارئ، نعم كان من أجلِّ أهداف الكتاب أن يعرِّف الشباب ببعض الموضوعات التاريخية الغائبة عن أذهانهم، وكذلك حاول علاجها بطريقةٍ تمكنه من تلافي الجمود الذي يصاحب الموضوعات التاريخية، لكنه أراد إحداث ربطٍ بين ما هو قديمٌ وحديث، أراد أن يبين أن تاريخ مصر حلقاتٌ متماسكةٌ مليئة بالأحداث التي تستحق الدراسة، وأن كل حدثٍ هو وليد آثارٍ مختلفةٍ من آثار الحياة المصرية.

عناوين المقالات كانت تحمل غموضًا محبَّبًا للنفس يشجع القارئ على الانغماس في الاطلاع على محتويات المقال، كما أن طريقة عرضه كانت أشبه بقصةٍ مثيرةٍ لكنها حقيقية.

لم يأتِ الكتابُ كله في صورة قصصٍ فقط، إنما حوى بعض الدراسات والقراءات، كما في حديثه عن عبد الرحمن الكواكبي وكتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، وفي هذا الفصل بالأخص قدم معلوماتٍ مهمةٍ عن فكرة الاستبداد وأثره.

طبيعة الحياة المصرية أخذت جانبًا من هذا الكتاب، فدرس الدكتور جمال الحياة الاجتماعية، كيف كانت مظاهر الحياة؟ هل كانت الفجوةُ متسعةً بين الحكام والمحكومين؟ هل كان للثقافة الفرنسية والتركية تأثيرٌ في الحياة المصرية؟ وغيرها من الأسئلة التي قد تُثار حول تلك الفترة.

وكذلك الحياة الثقافية والدينية، ما حجم الثقافة لدى المجتمع؟ ما مدى انتشار الخرافات والإيمان بها؟ إلى غير ذلك مما يتعلق بهذا الأمر.

يعرض الكاتب بشيءٍ من التفصيل قصةَ شريف باشا «أبو الدستور» ظروف استقالاته الثلاثة، هل خان الثورة العرابية؟ ويقدم ذلك ببحثٍ حول الفرق بين الوطنية والخيانة.

كما ذكر قصة الثورة العرابية ومسرحية محاكمة عرابي وغيرها من التفاصيل التي ارتبطت بهذه القصة من سبب عدم إعدام عرابي وغيره من زعماء الحركة العرابية.

في النهاية أرى أن هذا الكتابَ يستحق النظر كونه يقدم كثيرًا من الوقائع ويلبسها ثوبًا مختلفًا من التحليل والبحث، كما يساعد القارئ على اكتشاف بعض المعلومات مع ترك مساحةٍ له تقوده للبحث والاستقصاء، علَّها تساعده في تفسير الواقع والإجابة عن بعض أسئلته..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد