يعتبر كتاب «المعجزة أو سبات العقل في الإسلام» لصاحبه «جوروج طرابيشي» أحد أجزاء مشروعه «نقد العقل العربي»، والتي خصصها الباحث لبلورة فرضيته حول إشكالية استقالة العقل العربي الإسلامي، والتي عارض من خلالها أصحاب فرضية العوامل الخارجية حول الإستقالة وإرجاع سببها للغزو الخارجي من قبل الأفكار والفلسفات الشرقية القديمة (غير العقلانية) من هرمسية وغنوصية وعرفانية وباطنية وتصوف إشراقي كما يرى كثير من المفكرين على غرار محمد عابد الجابري، بل يرى طرابيشي أن ما أخرج العقل العربي الإسلامي من دائرة العقلانية وما أدخله الى عصر الانحطاط يرجع بالأساس الى عوامل داخلية وذاتية في تركيبة هذا العقل.

صدر كتاب المعجزة، أو سبات العقل في الإسلام في طبعته الأولى سنة 2008 عن دار الساقي ببيروت لتتوزع فصوله الخمسة مع مقدمة وخاتمة على 183 صفحة، استهلها المفكر بفصل أول موسوم بـ«نبي بلا معجزة»، من خلاله استعرض عشرات الآيات من القرآن المشفوعة أحيانًا بأقوال المفسرين والتي تنفي وجود معجزات حسية للرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – موضحًا أن المشككين في نبوته طالبوه بمعجزات (آيات) منذ اللحظة الأولى لنبوته، جاعلين من حصول هذه المعجزات شرطا لإيمانهم وتصديقهم برسالته، وكيف كان رد النبي صلى الله عليه وسلم دائمًا بإن منزل الآيات وصانع المعجزات هو الله – عز وجل – وأنه لا يستطيع الإتيان بمعجزة من تلقاء نفسه.

وأشار الكاتب إلى الفرق بين نوعية المعجزات التي طالب بها العرب المشركون من جهة، وتلك التي طالب بها أهل الكتاب، خاصة من اليهود، إذ إن المعجزات التي طالب بها العرب المشركون كلها معجزات متعلقة بطريقة تفكريهم المتأثرة ببيئتهم الصحراوية الفقيرة فقد طالبوا الرسول بأن يحول الصفا إلى ذهب، أو أن يجعل من مكة حاضرة مزدهرة بها أنهار مثل ما بالعراق والشام أو أن تكون للرسول نفسه جنة، أو أن يكون معه ملك يصدقه ويدافع عنه، كل هذا سطره القرآن المكي في عديد الآيات لتكون الإجابة دائمًا لهذه الطلبات بالنفي من طرف رسول الله وإرجاع الآيات لصاحبها، وهو الله – عز وجل – الذي لم يأذن أن تكون لآخر رسله معجزات وآيات على غرار من سبقه من الرسل.

ولينوه الكاتب في نفس السياق أن الآيات والمعجزات التي طلبها أهل الكتاب من رسول الله كانت ذات طبيعة لاهوتية كأن ينزل عليه القرآن دفعة واحدة لا منجّما في إشارة لكيفية نزول التوراة على النبي موسى –  عليه السلام – أو أن ينزل كالإنجيل في قرطاس، وأنهم إذا طالبوا بمعجزات حسية (مادية) فعلى منوال ما أوتي موسى من تفجير للينابيع من الصخر أو الارتقاء في السماء، أو أسئلة تعجيزية كسؤالهم عن ماهية الروح أو موعد الساعة، والتكهن بالغيب ومعرفة جنس الجنين في رحم أمه، وتأتي الإجابات قرآنا يتلى، فعشرات الآيات تصر على أن محمدا ليس سوى بشر يمشي في الأسواق ويأكل الطعام وأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، وأن الله تعالى وحده القادر على أن يأتي بهذه المعجزات.

يستكمل طرابيشي فصله في الحجج التي أتى بها النص القرآني لعدم استجابة الله للمشككين في نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – بل حول تحذير الله لنبيه أن يسأل آية في قوله « لئن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء فتأتيهم بآية، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى، فلا تكونن من الجاهلين». أو في سورة هود في الآية 12 في قوله تعالى: « فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك، إنما أنت نذير، والله على كل شيء وكيل».

وأجمل طرابيشي الحجج القرآني حول هذه المسألة في خمس حجج

الأولى التعليل بالتكذيب: وفيها يستعرض الكاتب الإجابات التي تكفّل بها النص القرآني بنفي المعجزات عن محمد – صلى الله عليه وسلم – بحجة أن قومه سيكذبونه حتى لو أتى بها، ودليل ذلك تكذيب الأنبياء الذين سبقوه وقد أتو بالمعجزات.

الثانية التعليل بالتأويل السحري: حيث أصر القرآن حول مسألة أن كثر هم الأنبياء الذين أتوا بمعجزات واتهمهم قومهم بأنهم سحرة كما حصل مع موسى باتهام فرعون له بأنه ساحر عليم، وأن القرآن جاء لإنهاء عصر السحر وتحرير عقل الإنسان من التعلق به.

الثالثة التعليل بالتعذيب: حيث أن آيات القرآن واضحة أشد الوضوح في هذه المسألة حيث أخبر الله أنه في حالة حصول معجزة لنبيه واستمر قومه في تكذيبه فسيصيبهم عذاب شديد وأنهم لن يغفر لهم بعد ذلك كما حصل مع الأمم السابقة، وفيها يظهر مدى إشفاق الرسول على قومه وأنه يرغب لهم الهداية ولا يتمنى لهم العذاب.

الرابعة التعليل بعدم النجاعة وعدم العلية: حيث إن المشككين في صدق نبوة الرسول يطالبون بالمعجزات كحجة لإيمانهم، لكن النص القرآني يبين أن الإيمان وعدمه ليس بأيديهم، بل هو بيد الله الذي يهدي من يشاء.

الخامسة التعليل بالآيات الكونية: وأظهر مثال على ذلك سورة الرحمن التي يتوجه فيها الخطاب نحو الإنس والجن معًا بأسلوب بلاغي مبهر في استعراض الآيات الكونية في خلق السماوات والأرض لينتهي استعراض كل آية كونية باستفهام فبأي آلاء ربكما تكذبان.

وختمًا يختم طرابيشي هذا الفصل في توضيحه أن النص القرآني قد أوضح منذ اللحظة المكية أنه معجزة الرسول الخالدة، لكن بمفردة الإعجاز، حيث يعجز الإنسان أن يأتي بسورة من مثله، أو آية تشبهه أو تضارعه.

ينتقل الكاتب إلى الفصل الثاني والذي عنونه نبي الثلاثة آلاف معجزة وهو أطول فصول الكتاب إذ يستنطق الكاتب فيه كتب السيرة النبوية ويكشف للقارئ أن نسبت هذه السير المعجزات الحسية للرسول محمد –  صلى الله عليه وسلم –  على الرغم من نفي القرآن لها نفيًا قاطعًا، وكيف أنها تعارض هذا النفي معارضة صارخة بنسبها للمعجزات التي كانت ككرة الثلج تكبر في كل سيرة ومع التقدم في الزمن حيث انطلقت مع سيرة ابن هشام بعشر معجزات حسية لتصل إلى سيرة الخصيبي لحوالي 3 آلاف معجزة.

سيرة ابن هشام: والتي هي في الأصل تنقيح لسيرة محمد ابن إسحاق والتي ألفها صاحبها في نهاية القرن الثالث الهجري وضمنها عشر معجزات حسية للنبي وهي: سلام الحجر والشجر عليه – تحريك الشجرة – إعماء القرشيين – سيف عكاشة بن محصن – عين قتادة بن النعمان – معجزة الكدية – معجزة تكثير التمر، – معجزة تكثير الطعام – معجزة تحطيم الأصنام، معجزة نبع الماء.

المعجزات النبوية طبقًا للماوردي: بعد قرنين من تأليف ابن هشام لسيرته تضاعفت معجزات النبي محمد صلى الله عليه وسلم لتصل إلى 40 معجزة في كتاب أعلام النبوة لصاحبه أبي الحسن الماوردي، وما يميز هذا الكتاب بالإضافة للمعجزات العشر التي أسلفها ابن هشام هو نسبة معجزات كمعجزات موسى عليه السلام للنبي محمد كمعجزة نبع الماء وشق النهر ليعبر الجيش في غزوة خيبر، وكذا معجزات تشبه معجزات عيسى بن مريم عليه السلام في إبراء المجذومين وإحياء الموتى وتكثير الطعام، وتسبيح الحصى بين يديه.

ثم يتتبع طرابيشي تضاعف المعجزات أو معالم النبوة في كل سيرة مع البيهقي ثم مع القاضي عياض، ثم ابن كثير، ثم الحلبي انتهاء بالخصيبي لتصل إلى 3 آلاف معجزة.

خصص طرابيشي فصله الثالث والرابع لدراسة المسار التضخمي أيضًا في التراث الشيعي مع معجزات الإمام علي والأئمة الأحد عشر ليلحظ نفس الظاهرة في التراث السني هو أن كل جيل من المؤرخين يضاعف عدد المعجزات في كتبه وينسبها للأئمة، ويرجع طرابيشي مجاراة المدرسة الشيعية للمدرسة السنية في مسألة تضخيم المعجزات إلى الصراع السياسي بين أتباع المدرستين مضيفًا قولًا يعتبر قاعدة في كتابة التاريخ وإلصاق الخرافة والأسطورة به وهو أن الخيال يعتبر واقع من لا واقع له، ومسجلًا أن السيرة العلوية ومعجزات الأئمة تتسم بغرائبية أكثر من نظيراتها السنية التي لم تشذ حتى هي عن قاعدة نسبة المعجزات للصحابة والصالحين تحت مسمى الكرامات.

أما الفصل الخامس فموسوم بمحاولة تفسير: يعتقد طرابيشي أن ظهور المعجزات الحسية ونسبتها للرسول صلى الله عليه وسلم جاء نتيجة لاتساع رقعة الإمبراطورية الإسلامية نتيجة للفتوحات، حيث إن هذه الإمبراطورية توسعت على حساب بلدان كانت تقطنها شعوب تتصف بميزتين أساسيتين الأولى أنها لا تنطق باللسان العربي الذي هو اللسان المستقبل للنص القرآني المتسم بإعجازه، فكيف لغير الناطق باللغة العربية أصلًا أن يعجزه نص بليغ أشد البلاغة باللغة العربية، فشرط الإعجاز هنا ينتفي لعدم وجود مكافئة بين النص المعجز ومن يريد إعجازه.

أما السمة الثانية فهي أن هذه الشعوب عرفت ديانات أخرى كتابية وغير كتابية وكانت المعجزة الحسية هي إحدى بنيات هذه الأديان، وبسبب هذا اضطر المسلمون الفاتحون وكتّاب التاريخ الإسلامي إلى اختلاق هذه المعجزات ونسبتها للرسول – صلى الله عليه وسلم – كسبيل لإثبات نبوته أمام هذه الشعوب، ومن هنا نشأت الإشكالية الواضحة في العقل الإسلامي ولجوؤه للخرافة لإثبات صحة دينيه، لا إلى العلم والعقلانية حيث يشير طرابيشي أن المغالاة في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم كان سبيلًا لتسلل الخرافة وللأفكار شبه الوثنية في الإسلام كظهور التعلق بمقتنيات النبي وأغراضه الشخصية كالعمامة والخفين والشعر وصبغها بقداسة لا يقرها الإسلام ويرى فيها الكاتب نوعًا من العبادة التي وقعت فيها الديانات السابقة للإسلام كاليهودية، والمسيحية، والزرادشتية، والتي جاء الإسلام أصلًا كثورة ضد هذه المعتقدات والممارسات، بل جاء من أجل ربط الإنسان بخالقه بعلاقة مباشرة أصلها العقل والمنطق لا الشعبذات والبهلاوانيات التي تنضح بها كتب السير على حد تعبيره.

يختم جورج طرابيشي كتابه المعجزة بخاتمة تحت عنوان استفهامي هو ثورة كوبارنيكية؟ يشير من خلالها الكاتب أن القرآن في الأساس دعوة لامعان النظر في الكون وإعمال العقل وتشغيل المنطق، وأن لا سبيل لنهوض المسلمين واستيقاظهم من سباتهم إلا بالرجوع لهذه المبادئ، وأن الحل الوحيد هو العلم ونقد التراث وطرابيشي لا يرى في القرآن تراثًا، وإنما وحي يجب على المسلمين أن يعودوا لمعينه الصافي إن أرادو نهضة حقيقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد