نحن الآن بصدد فتح كتاب«الروح والجسد» للدكتور العملاق الراحل«مصطفى محمود».

ذاك الذي يملك القدرة على النظر خلف الضباب الفلكي والكواليس الكونية وفهم بعض ما حدث.

الحياة ليست كما يعتقد البعض أنها العائلة، الفرد، الديانات السماوية والعقائد الدينية، المجتمع المدني والدولي، الحديقة، العمل، التسوق، الزواج، الحانات، العاهرات، الواقي الذكري، المخدرات، وخصوصًا مخدر الحشيش… إلخ.

للأسف الشديد الحياة أعمق من هذا بكثير، هناك أشياء كثيرة على وجه الأرض، لكن نعرف بعضها، والبعض الآخر لا نعلم عنه ذرة من تراب.

بالطبع الأغلبية يمكنها النظر إلى ما هو خلف الضباب الفلكي وكواليس الكون، لكن من ذا الذي سوف يستطيع التحمل والحفاظ على إيمانه بالله؟

العلم والمعرفة والقدرة على فهم الكون شيء في غاية الخطورة؛ لأنه إذا لم تستطع فهم الأشياء بالطريقة الصحيحة فلن تُرحم من تلك اللعنة التي سوف تحل عليك، وتزج بك حتى تصل إلى حافة الفكر الديني، وتلك الحافة هي أولى طريق الإلحاد وربما الإيمان بأنك:

«براد شاي»

لأن المعرفة سلاح ذو حدين، الأول يرفعك إلى قمم الثقافة والوعي، والثاني يلقيك في القاع ويزج بك إلى حافة الفكر.

والآن قد حان الوقت للنظر إلى ما يحدث في كواليس الكون والروح والجسد، وهذا من خلال كتاب«الروح والجسد»، أو بالمعنى الصحيح من خلال عقل«د. مصطفى»، ونلقي الضوء على أهم الموضوعات في هذا الكتاب، وكانت أهمها وأجملها هي:

«عن الروح والجسد»

سر من أسرار السعادة هو انسجام الظاهر والباطن في وحدة متناسقة متناغمة.

إن غروب الشمس، وانسدال العتمة في حنان، والنظام المحكم الذي يمسك بالنجوم في افلاكها، وإطلالة القمر من خلف السحاب، وانسياب الشراع على النهر، وصوت السواقي على البعد، وحداء فلاح لبقرته، ونسمات الحديقة تلف الشجرات التي فضضها القمر كوشاح من حرير. إذا اقترنت هذه الصورة الجميلة من النظام والتناسق بنفس تعزف داخلها السكينة والمحبة والنية الخيرة؛ فهي السعادة بعينها.

لقد ألقى «دكتور مصطفى» سرًّا من أسرار السعادة وهي «الانسجام» بين الذات التي بداخلنا والصورة الظاهرية لنا، بالطبع هذا يحدث لكن في حالات الاكتئاب النفسي ففي تلك الحالة يحدث الانسجام لا إراديًّا، أما عن الانسجام الذي تحدث عنه فهو يحدث إذا كانت لدينا الإرادة الكافية والقدرة على تناغم الباطن بالظاهر، وقد استعان لتوضيح الفكرة، بتنسيقات إلهية الصنع تحدث من حولنا.

وأما عن الجانب السلبي الذي في الغالب يحدث لا إراديًّا، وقد كتب عنها وما يترتب عليها.

أما إذا اقترنت هذه الصورة من الجمال الخارجي بنفس يعتصرها الغل والتوتر، وتعشش فيها الكراهية، وتنفجر داخلها قنابل الثأر، والحسد، والحقد، ونوايا الانتقام. فنحن أمام خصومة وتمزق وانفصام، نحن أمام هتلر لا حل له إلا أن يخلق حربًا خارجية تناسب الحرب الداخلية التي يعيش فيها،  نحن أمام شقاء لن يهدأ إلا بأن يخلق شقاء حوله.

«الأصنام»

اختلفت الديانات والعقائد وهذا الأكيد، لكن الأمر الذي ندركه هو أنه قد انتهى عصر الأصنام للأبد، ما عدا تلك الفئة التي تعبد البقر والفئران وبالطبع الأصنام، الجميع يعلم هذا ولا جدال عليه، لكن كان لدكتور «مصطفى» رأي آخر.

ولكني أقول بل نحن عبدة أوثان، نسجد ونركع، ونحرق البخور، ونرتل التسابيح والابتهالات في كل لحظة لأصنام لا حصر لها. نحن في الجاهلية بعينها، إنما اختلفت أسماء الأصنام، واختلفت صورها ونوعياتها.

وكان من ضمن تلك الأصنام «فاتنات الإعلانات»، وأيضًا صنم «الذات»، وكما قال عنهم«عباد النفس واتباع الهوى»، موضحًا أن حب النفس هي حالة من سجن الشخص لنفسه وصنع صنم لعبادته. ومن أهم تلك الأصنام التي نشهد عليها في هذا العصر الحديث وهي «الأصنام السياسية» وكتب:

أما الصنم الثالث فهو الهيكل، هيكل الفكرة المجردة والنظرية، والمذهب السياسي الذي يركع فيه المريد المتعصب، لا يرى حقًّا إلا ما تقوله بنود نظريته، ولا يرى صدقًا إلا ما يأمر به مذهبه.

وصنم آخر شائع هو الديكتاتور والحاكم المطلق والطاغية المستبد الجالس على عرش السلطة، ومن حوله بلاط الهتافين والمصفقين، وحملة المباخر والمجامر، والمسبحين بالحمد.

«كلمات الصمت»

من الواضح لكل من دخل عالم «الروح والجسد» أن د. مصطفى، كان يمقت الكلام والكلمات ويحث على الصمت، فالصمت هو الكلام في حد ذاته، الصمت لغة القلوب، وكتب:

نحن نتبادل الكلمات والحروف والعبارات كوسائل للتعبير عن المعاني وكأدوات لكشف كوامن النفوس، ونتصور أن الحروف يمكن أن تقوم بذاتها كبدائل للمشاعر، ويمكن أن تدل بصدق على ذواتنا ومكنوناتنا، والحقيقة أن الحروف تحجب ولا تكشف، تضلل ولا تدلل، وتشوه ولا توضح وهي أدوات التباس أكثر منها أدوات تحديد.

وربما كانت أشبع خطايانا هي الجزافية في التعبير، والمبالغة في كلمات الإعجاب، والإسهال في لغة الصداقة، والغلظة في الخصومة، والحدة في الإدانة، والأرخص في الاتهام، والتجاوز في التجريح، كلها كلمات نطلقها بلا تحسب، فتتحول بعد خروجها إلى طاقة مجنونة لا سلطان لنا عليها، فتدمي قلوبًا، وتفصم روابط، وتزلزل نفوسًا.

«عبثية سارتر»

بين السطور تجد ردًّا لاذعًا على اتهام «سارتر» الكون بالعبثية، وكان الرد في قمة البساطة المقنعة، فكر سارتر الذي يحمل معه كل من يعتنقه إلى حالة من الغثيان والقيء والعبثية، والإحساس بعدم الجدوى. وبأن الإنسان قذف به في الكون وترك وحده بلا عناية وبلا رعاية.

وأما الكون فهو بريء من العبثية، منضبط أكثر من ساعة إلكترونية، سواء نظرنا إلى الذرة وهي أصغر ما فيه، أو إلى المجرة وهي أكبر عوالمه.

في الذرة لا يستطيع إلكترون أن ينتقل من مدار إلى مدار إلا إذا أخذ أو أعطى شحنة تساوي حركته من النواة أو إليها، وفي المجرة العظيمة تولد الشموس وتشب، وتشيخ وتموت، وتتحرك في أفلاك، وتدور حولها الكويكبات، كل هذا يجرى في دقة ونظام وفقًا لهندسة مقدرة وقوانين ثابتة لا تخرق.

«الأفكار الوجودية»

وختم د. مصطفى الكتاب ببعض الأفكار الوجودية مصاحبًا معها الدلائل المقنعة وكتب: يلازمني إحساس منذ بدأت أعي وأدرك وجودي أني كنت موجودًا دائمًا، وأني حقيقة ولست أمرًا طرأ بالميلاد، وأني كنت هنا أو هناك في مكان أو لا مكان لست أدري، وإنما هو إحساس دائم ومؤكد بالحضور لا أعلم مصدره، وكل ما يحدث أمامي الآن هو مرور شريط متتابع لأحداث متتالية لماض وحاضر.

ويؤيد هذا الإحساس الداخلي حقائق الدين التي تقول بأني أحاسب وأعاقب وأموت، فلا أموت وإنما أنتقل إلى حياة برزخية، ثم إلى بعث ثم إلى خلود في نعيم، أو خلود في شقاء، فأنا إذن خالد.

وبهذه السطور يأخذ د. «مصطفى» القارئ إلى عالم التفكير الوجودي، وتلك الأحاسيس والمشاعر التي تراود البعض، وهي الوجودية المسبقة، وبعد هذا يستعين ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لتأكيد تلك الأفكار الوجودية، وكتب:

وأنا لست مسألة طارئة استجدت بالميلاد وستنتهي بالموت، ولو أني كنت أمرًا طارئًا زائلًا لما كنت حقيقة، بل مجرد ظاهره موقوتة، تلمع ثم تختفي فلا تعود، ولا تصبح هناك حكمة في بعث وحساب وعقاب، ولا حقيقة هناك.

وفي القرآن الكريم إشارة خاطفة إلى هذه السابقة الوجودية قبل الميلاد:

«لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون».

ومعنى ذلك أنه كان هناك خلق أولي على أحسن تقويم، وهذه الخلقة لا يمكن أن تكون خلقتنا التي نعرفها في الدنيا بجسمنا الذي يتعب ويمرض ويتلف ويشيخ ويموت.

فكيف يكون الخلق الذي جعله الله في أحسن تقويم ثغرة وسوءة وعورة، ولماذا سمى حياتنا هنا بالحياة الدنيا (أي الواطئة والسافلة)، إلا أن تكون تلك الحياة هي أسفل سافلين التي رددنا جميعًا إليها بعد النشأة الكاملة في أحسن تقويم،  أهبطنا الله في هذه الحياة الطينية التي بها الفرج والسوأة لنعيش حياة الابتلاء والمعاناة والمكابدة.

«لقد خلقنا الإنسان في كبد»، يحرمنا مما نحب ويحملنا ما نكره ليرى كيف يكون صبرنا واحتمالنا، ولتظهر بذلك صفاتنا.

والحديث النبوي الثابت والصحيح الذي يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام «كنت نبيَّا وآدم يجدل في طينته»، فهذا إذن وجود سابق وخلق سابق على الميلاد، وقد فهم منه الصوفيون نظريتهم التي يرددونها في «الحقيقة المحمدية»؛ فمحمد، عليه الصلاة والسلام، وإن جاء آخر الأنبياء في البعث، فإنه أولهم بالحقيقة وذلك هو الخلق النوراني في أحسن تقويم.

وبهذا نكون قد ألقينا الضوء على كتاب «الروح والجسد»، وعن أهم الموضوعات المذكورة فيه بشكل مبسط الشرح والفهم، فكما قلنا الحياة مليئة بالأسرار، وليست كما يعتقد البعض أنها بسيطة لهذا الحد الذي يجعلك تشعر بالعبثية، العبثية ليست في الحياة في بال ذاك الذي ينظر إليها بالشكل العبثي، بمعنى أن الإنسان صاحب القرارات لا تفرق إذا كانت سلبية أو إيجابية، أنت تستطيع تغيير العبث ببساطة، لكن عليك أولًا تغيير ذاتك إلى الأفضل والأنقى والأطهر، ربما العبثية في كل مكان، لكن كل ما عليك معرفته أن العبثية هي عصارة حقد وأنانية وتنمر وغل… إلخ.

لذلك إذا أردت محو العبثية عليك محو كل هذا بداخلك وبداخل الآخرين، الحياة والكون هما أكبر دليل على الانضباط والدقة العالية الإلهية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد