قراءة مِنْ كتاب «هذا هو الإنسان» للفيلسوف «فريدرك نيشته»

هنا في هذه الملحمة الفكرية، سوف نرتقي نحو فلسفة استثنائية، ونتعرف على المجنون «نيتشه» من نافذة أوضح، سوف يتكلم «فريدرك نيشته» مع نفسه قليلًا، ونحن سوف نستمع بشغف ونقاء كامل، كما أوصانا.

هل سألت نفسك من قبل لماذا هو ذكي؟

لماذا هو على هذا القدر من الحكمة؟

ما الذي يجعله يكتبْ كتبًا جيدة؟

والأهم لماذا هو على هذا القدر من الجنون؟ حين تعلم إجابة تلك الأسئلة سوف تدرك أن هذا المجنون يملك فكرًا استثنائيًّا، وفلسفة خطيرة قد تكفيكْ لتشرد قليلًا بين الأفكار المظلمة، تتوقف عن القراءة، ثمْ تغلق الكتاب، وتهز رأسك مستغربًا ومترهلًا بأفكارك حتى الضياع، ومن ثم تنظر إلى عنوان الكتاب، وتعلم حقًا أن ما مررت به قبل قليل يسمى «هذا هو الإنسان».

سوف نبدأ بالقوة التنبؤية في الكتاب إن صح التعبير، وهنا أقصد النص المذكور في مقدمة الكتاب، يقول «فريدرك نيتشه» في آخر كتاب له «هذا هو الإنسان» وهو الذي نبحر به الآن: «أعرف قدري، ذات يوم سيقترن اسمي بذكرى شيء هائل رهيب؛ بأزمة لم يعرف لها مثيل على وجه الأرض، أعمق رجة في الوعي.. فأنا لست إنسانًا، بل عبوة ديناميت، لا أتحدث البتة إلى كتلة الجماهير، وأشد ما يخيفني هو أن يكرسني الناس ذات يوم كقداسة؛ بإمكان المرء أن يخمن السبب الذي يدفعني إلى نشر هذا الكتاب قبل أن يحصل ذلك الأمر؛ سيكون عليه أن يحميني من أي استعمال شنيع سيئ العواقب، لا أريد أن أكون قديسًا، بل أفضل أن أكون مهرجًا.. ولعلني بالفعل أضحوكة، مع ذلك فالحقيقة هي التي تنطق من خلالي، لكن حقيقتي فظيعة؛ ذلك أن الكذب هو ظل يُدعى حقيقة حتى الآن».

ومن ناحية أخرى يعود «نيتشه» ليذكرنا من جديد في بداية الكتاب أنه يثق تمامًا أن «زاردشت» سوف يُدرَّس في الجامعات يومًا ما، ويكون مرجعية فلسفية وفكرية للأدباء القادمين، مع أن «فريدرك» لم يكتسب تلك المرتبة المميزة بين الفلاسفة في عصره، بل كان عاديًّا، وأقل من ذلك.

ما كنت أقصد به –قوة التنبؤ– قبل قليل، هو أن هذا الكتاب نشر بعد موت «فريدرك نيشته» بثمانية أعوام، أي قبل 110 أعوام من اليوم، ذاك المجنون أدرك أننا سوف نجتمع اليوم لنتكلم عن كتابه ليحذرنا من رجة الوعي من جديد؛ لأنه علبة ديناميت كما قال، ليحذرنا أيضًا من أن نقدسه بل يطلب منا أن ننبذه ونعتبره مهرجًا وأضحوكة، قال ذلك لأنه يعلم أن التاريخ سوف يكتب اسمه في خانة العظماء، وكما الحال حدث مع كتابه «هكذا تكلم زاردشت»، لم يخطئ أيضًا «نيتشه» فالكتاب فعلًا احتل الكراسي الجماعية والأكاديمية بعد موته.

البداية

يبدأ الكاتب بالإشارة إلى إسقاط القدسية عن الكهنة واللاهوت والفلاسفة والأدباء، وكل شخص ادّعى امتلاكه الفضيلة، فيبدأ بنفسه وقال: «أنا مثلًا لست فزاعة على الإطلاق، ولا أنا غولٌ أخلاقي، بل أنني من طبيعة نقيضة لذلك الصنف من البشر، الذي ظل الناس إلى حد الآن يقدسونهم كأمثلة للفضيلة».

ويكمل فكرته تلك بأن يضع تقييم لهؤلاء الجبناء -كما وصفهم- غير القادرين على مواجهة الحقيقة، أو ما سماه «نيتشه» العالم الواقعي، كان تقييمه يعتمد على نقطة أساسية وهي سؤاله الشهي؛ أي قدر من الحقيقة يستطيع العقل أن يتحمل؟ وإلى أي حد يجرؤ أن يمضي في الحقيقة؟

وتحت هذه العلامة كتب النصر لفلسفة «فريدرك نيتشه» حين قال «أتطلع لكل ممنوع».

ما يميز الفيلسوف «نيتشه» في هذه المقدمة هي قدرته على إدراك الممنوع ليخوض به بتجرد عقلاني ومنحاز للوقاحة ربما، فقد عمل جاهدًا على إحباط كل شيء، إسقاط كل شيء، تهديم كل شيء حتى نفسه وقدسيته أمام قرائه، ولهذا أنهى مقدمته بأن يضع الحد الفاصل بينه وبين الأنبياء المقدسين وقال: «ليس نبيًا هذا الذي يتكلم الآن، ليس واحدًا من تلك الكائنات المسخ الملفقة من خليط الأمراض وإرادة السلطة، الذين يدعوهم الناس بمؤسسي الديانات، والآن أطالبكم بأن تضعوني وأن تجدوا أنفسكم، وأني لن أعود إليكم إلا عندما تكونون قد انتظرتموني جميعًا».

ولهذا لنكرم هذا المهرج العدمي، ونكمل قراءتنا من كتاب «هذا هو الإنسان»، يتوجب عليّ التوضيح هنا أن ما سوف أقدمه هو مختارات من الكتاب، حسب رأيي الخاص، وليس أجزاء الكتاب بشكل كامل، وهذا تبعًا لماهية الكتب الفلسفية التي مهما كان عدد صفحاتها قليل، سيكون التحدث عنها ذا مساحة لا تنتهي من الكلمات والوصف، دون أن نصل لنهاية في التنقيح والدراسة والاستخراج.

يقدم لنا الكتاب أول ثلاثة أقسام على شكل أسئلة بدون إشارة استفهام؛ وهذا للدلالة على أنه يقول ولا يتساءل.

لماذا أنا على هذا القدر من الحكمة.

يقدم لنا هذا القسم تعبيرًا صريحًا عن الصلابة والربح من الألم والأذى، فكل ما لا يتسبب في الهلاك، لا يمكن إلا أن يجعلك أكثر صلابة، كل حياتك تترتب على هذه المقولة لتكتسب صلابتك وحكمتك، فلا تحزن من فشلك ومن خطئك، فالخطيئة أسمى الفضائل؛ لأنها تصنع حكمتك وتصنعك أنت أيضًا لتكون أفضل دائمًا.

ومن ثم يبدأ الكاتب بوصف ذكرياته مع الأطعمة في حياته، لنأخذ نظرة عن طفولته، وعلاقته مع أبيه الكاهن بطريقة أدبية ممزوجة بالحكمة والاتزان، ومن ثم ننتقل إلى حياة «نيتشه» وهو يحارب المرض، فيقول مثلاً: «أتناول قدحًا من مربى الفواكه كي أزيل طعم حكاية حامضة»!

ويعطي «نيتشه» أهمية عظمى للنظام الصحي هنا مستعينًا بتعاليم «بوذا» والفيزيولوجيا ليقرر نظامه الغذائي من منطلق فلسفي أخلاقي، وهذا الربط الغريب ليس بشيء صعب على فيلسوف يملك من الجنون والحكمة ما يكفي ليدركه ويجعل منه شيئًا يستحق القراءة بتمعن، ويشير «نيتشه» أن الحكمة مرتبطة بالتخلص من الضغينة والوضوح تجاه الضغينة، ويمثل ذلك بحربه الأولى مع المرض التي غربل نفسه بها من الكره والحقد لأحد، عند المرض والاقتراب من الهاوية تجد نقاء كافيًا لتصل لذاتك النقية بالكامل، المرض فضيلة أيضًا.

هذا القسم من الكتاب ينتهي بالتكلم عن أن الطبيعة القوية تحتاج إلى مقاومة، وكما ينتمي النزوع العدواني إلى القوة تنتمي مشاعر الانتقام إلى الضعف، ويقول «فريدرك» ليشرح تلك العلاقة مستعينًا بالمرأة: «المرأة ذات نزوع انتقامي، وهو أمر مربتط بضعفها، تمامًا مثل حساسيتها باتجاه الآخرين».

والآن لننتقل إلى قواعد الحرب لدى المجنون، أربع قواعد لإعلان الحرب على أحدهم يجب أن تدركها لتكون على قدر من الحكمة.

أولًا: لا أهاجم إلا ما هو مجلبة للنصر، وأن اقتضى الأمر، أنتظر وأنسحب حتى أثق أنه مجلبة للنصر.

ثانيًا: لا أهاجم إلا ما لا حليف لي عليه، حيث أقف وحيدًا في المعركة، حيث لا أورط إلا نفسي فذلك هو برأيي المقياس الصحيح للسلوك الأخلاقي.

ثالثًا: لا أهاجم أبدًا الأشخاص كأشخاص، بل أستعمل الأشخاص كزجاج مكبر يمكن للمرء بواسطته أن يجعل كارثة عمومية مراوغة ومتسترة ومستعصية على الإدراك أمرًا واضحًا للعيان.

رابعًا: لا أهاجم إلا كل من هو خالٍ من كل خلاف شخصي، ومن كل خلفيات التجارب السيئة.

الآن خفف حماسك لمحاربة أحدهم، وأجّل إعلان الهجوم، ولنعلم كيف يشرح لنا «نيتشه» لِم هو على هذا القدر من الذكاء؟ في القسم الثاني.

هنا لا أعلم من المجنون نحن أم هو، ولكن أعلم أنه همّش أكثر الأفكار الجدلية في الوجود ليعبر عن أحد أسرار ذكائه وقال: «الله، خلود الروح، الخلاص، الآخرة.. كلها مفاهيم طفولية لم أعرها اهتمامي البتة، ولا حتى كصبي.. لعلني لم أكن صبيانيًا بما فيه الكفاية لمثل تلك الأشياء، ولم أعرف الإلحاد إطلاقًا كنتيجة، وأستطيع التعبير عنه أنه أمر بديهي لديّ، أن الله مثل قبضة اليد، إنه بمعنى أدق مجرد ممنوع على هيئة قبضة يد، لا ينبغي أن تفكروا».

ينتقل الكاتب في القسم الثالث «لِم أكتب كتب جيدة»، إلى سؤال مهم لقرائه، ومهم للكاتبين، وفضولهم ورغبتهم بأن يفهموا كيف يكتب «نيتشه» كتبًا جيدة، لكن الإجابة هنا مشوشة بشكل كامل مثل كتبه، يشير لنا أنه لا يكتب لتقرأ كتبه، بل يكتب لنفسه، ليقرأ نفسه، ويبحث ويفكر بصوت عالٍ.

أتعلم عندما تفكر بصوت عالٍ، ويضحك صديقك عليك، وعلى كلامك المشوش ويقول ما بك؟!

إن الموضوع مماثل، ولكننا لا نضحك هنا على «نيتشه»، بل نفكر ونفسر وندقق بالكلمات، باحثين عن شيء ينقص فلسفتنا لنكملها .

يكمل لنا الكاتب مسيرة النقد التي تعرض لها في حقبته الزمنية، بل يصف متعته بأن لا أحد يفهم ما يكتب؛ لأنه يثق أن حفنة الكلمات تلك وجدت لحقبة زمنية أخرى، وهذا ما حدث فعلًا، وها نحن وأنت عزيزي القارئ خير دليل.

ومن أسرار أن تكون كاتبًا جيدًّا هو أن تقلب المفاهيم، وتتجرد من رؤية القارئ لك ولكتابك، تخلص من اهتمامك بما سيراه في كتابك، بل اكتب عن كل ممنوع لا تتجرأ على الاعتراف به في عصرك، ولأعطيكم مثالًا من الكتاب لننفي المثالية.

«إن الدعوة إلى العفة تحريض عمومي على معاكسة الطبيعة، وكل تحقير للحياة الجنسية، وكل تدنيس لها بفكرة الدنس هي الجريمة بعينها في حث الحياة، الخطيئة الحقيقية في حق الروح القدس للحياة».

هكذا قدس «فريدرك نيتشه» الحياة الجنسية، وقلب ما بين الفضيلة والرذيلة في زمن كانت الكنيسة به هي المسيطرة على التعبير عن تلك المفاهيم .

مولد التراجيديا في هذا القسم من الكتاب يقدم لنا «نيتشه» علاقته الرائعة مع التراجيديا الجديدة كما سماها، يصف لنا رأيه بعلاقة التراجيديا مع الفلسفات أجمع، ومنها الأفلاطونية والإغريقية حتى، كان يراها الانتصار على التشاؤم، الانتصار على الخبث البشري لتصنع عصرًا جديدًا كل حين، وهنا اعتبر نفسه أنه أول فيلسوف تراجيدي؛ أي بمعنى النقيض والطرف الأقصى المضاد للفيلسوف المتشائم .

ما تبقى من الكتاب هو قراءة فلسفية من «فريدرك» عن كتبه نفسها، مثل أصل الأخلاق وفصلها، إنسان مفرط في إنسانيته، هكذا تكلم زاردشت.

قراءة ممتعة..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد