«1»

يبدأ التاريخ الإنساني الموثوق فيه بدراسة الوثائق القديمة؛ تلك الوثائق بشكلها العام، القصص والشعر والنصوص المقدسة، والكتابات على جدران المعابد، حيثما بدأ الإنسان بالتعرف على نفسه عن طريق القراءة، والقراءة والكتابة أمران متلازمان دائمًا، كل قارئ هو كاتب في وقت ما، وكل كاتب هو قارئ في وقت ما، إذ إن كلا الأمرين في حاجة دائمة للآخر؛ ولذلك أمهر الكُتاب هم أمهر القُراء، وأكثر الكُتاب إبداعًا في الكتابة من لهم طرقهم الخاصة في القراءة؛ حيث إن «ماركيز» قد حكى في كتابه «أن تعيش لتحكي» إنه حينما كان يقرأ ليلًا أثناء مرحلة الليسيه كان يقرأ أثناء ما كانت السيجارة المنتهية تقوم بتسليمه للسيجارة التالية.

وعادات القراءة لا تنتهي، «كونديرا» يقرأ بطيئًا للغاية، و«راي برودبيري» يقرأ سريعًا، ويكتب سريعًا؛ لكي يسبق الموت، «عباس محمود العقاد» يقرأ مرات تلو مرات لسببين؛ الأول لكي يفهم الكتاب في كل مرة من منظور مختلف، والآخر هو أنه كان فقيرًا طوال عمره، ولا يملك المال الكافي لابتياع المزيد من الكتب، «بوكوفسكي» يقرأ وهو ثمل وبصوت عالٍ أحيانًا، والسيدة «ج. ك لورينج» ذكرت في أحد المقالات إنها قضت الكثير من عمرها تحاول القراءة بشكل صامت، حيث إنها اعتادت القراءة بصوت مرتفع؛ بسبب تلك الأيام التي كانت تقرأ فيها قصصًا لابنتها، أو تحكي لها بنفسها.

أنا حقيقةً أتيت لأحكي عاداتي عن القراءة، أنا قارئ قديم بعض الشيء، وربما من هم مهتمين بالقراءة لاحظوا ذلك التحدي المنتشر هذه الأيام حول ذكر خمس قصص متعلقة بالكتب والقراءة، وهنا سأحكي قصصي عن القراءة، وطرق القراءة والكتب التي استقبلتها في حياتي بشكل غير اعتيادي؛ لا قاصدًا بذلك الإبهار الذي ستتلقاه بعض القصص، ولا نظرة الذعر لبعضها، ولا حتى ثقل ظل بعضها، هي فقط حكايات عابرة على سبيل الكتاب.

«2»

كان ذلك الصيف غريبًا من عام 2008 حيث وقع بين يدي كتاب يُسمى «الوجود والعدم»، كنت في صفي الرابع الابتدائي، الكتاب من الخارج مكتوب عليه بحث في الأنطولوجيا الفنومينولوجية، كنت قد قرأت في فترة سابقة كتابًا آخر ذا اسم غريب؛ ذلك الكتاب المسمى «الإنسان ذو البعد الواحد» لصاحبه «هاربرت ماركوز»، في النهاية وجدتني أقرأ في كتاب «الوجود والعدم»، وأبحر في فصوله، وصفحاته، ونظرياته، وأعيد قراءته مرات ومرات؛ لكي أصل إلى معنى الكلام المكتوب، – كما كررت مع سابقه – كنت أقرأ باستمرار تلك الكتب الفلسفية؛ محاولًا فهم بعض أسمائها، ولكي تفهم كم كنت جاهلًا، كنت أعتقد أن هناك تعريف اسمه «لينين»، وتعريف آخر اسمه «ستالين»، واغفر لي عدم ذكري الصيغة التي استخدمت بها محرك البحث جوجل لكي أعرف معنى تلك التعريفات.

كنت أعيد قراءة الكتب لأنني لم أجد شخصًا يكتفي بالإجابة عن أسئلتي، دائمًا الإجابة بين الإنذار والإنكار؛ الإنذار بأنك ستصبح شخصًا ما يخافونه دون أن تعلم لماذا؟ وعليك أنت أيضًا أن تخاف منه، والإنكار لكونك شخصًا يفعل أشياء لا يرون أنها مهمة، لحسن الحظ إنني كنت أشعر بالانكسار، رغم كوني قارئًا منذ الصغر؛ إلّا أن ذلك الانكسار استحال إلى كتمان وهروب دائم من الإجابات، أصبحت لا أجيب عن أي شيء حتى لو كنت أعلمه، أقوم للضرورة فقط لكي أجادل؛ أجادل حاكمًا ظالمًا فقط حينما أقف بين الجماهير من الكُتاب وأدافع عن ذاتي، جيل ولدت بين أبنائه، قوميات أعيش بينها، ولكن لم أتحدث بصفتي أنا نفسي فقط إلا مؤخرًا، حيث إن باتت القوميات، والجيل، والتجمعات كلها لا قيمة لها في نظري قدر ما أرى اجتماع الأشياء في داخلي هي القيمة نفسها، طوال ستة عشر عامًا تقريبًا لم ألفظ بحرف مما أحوي؛ نظرًا لأن العالم من حولي أنذرني مرة من قراءة فلان، وأنكرني مرات لقراءة عِلان.

فى نهاية عام 2010 كنت في الصف السادس الابتدائي، كنت صراحةً قد انتهيت من معظم كتابات «هانتغون، ولوك»، وفلسفات الكثيرين، والعديد من التجارب الأدبية للشيوعيين الروس، والاشتراكيين الإسبان؛ قرأت شعر الفرنسي «بودلير» وكان محاولتي الفاشلة في القراءة باللغة الفرنسية، وقرأت للإسباني «لوركا» إعجابًا لجبروته أثناء وقوفه وإلقائه الشعر أمام قوات «فرانكو» الغاشمة، وطريقته في مقاومة حكم الإعدام، أحببت كتابات «وول شوينكا» النيجري والأفريقي الأول الحاصل على نوبل، وفي تلك السنة طردني معلم الدين لأنني صراحةً لا أغير ولن أشم رائحة الجنة؛ ذلك لأنني قلت له إن الليبرالية سلوك اجتماعي، وسياسي، ولا علاقة له بأن تخلع أم أحد في الصف ملابسها؛ فقام بطردي. باختصار كنت أقرأ كتبًا محظورة وأحاول جهدي في أن أفهمها، كنت أقرأها سرًا لأن محاولاتي في أن أعلن عن القراءة كانت شبيهة بالانتحار؛ وفي النهاية أنا شخص خطير للغاية، إذ إنني المنكر نفسه، إذ إنني مواطن الإنذار كلها، أنا خطر على العالم الذي تشكلت فيه؛ لأنني عكس رغبتهم، هكذا القراءة، تضع فيك السموم فقط.

«3»

كانت قراءتي للأدب نابعة من ذات المكان الذي يعادي ويعاديه الأدب؛ حيث إن الأدباء العرب في العصر الحديث اجتمع أغلبهم على سوء الحياة في ثنايا الكتاتيب، إن بداية تعرفي على الأدب بدأت في عالم المتنبي على لسان شيخي سليمان؛ ذلك الشيخ الذي كان مسئولًا عن تعليم الطلاب الصغار في السن الذين لم يلتحق أغلبهم بالمدرسة بعض الصرف والنحو، وكنت من النجباء الذين تأهلوا إلى أن يقرؤوا مع الكبار ويدرسوا مع الكبار، ورأفة بي كنت أحضر فقط النحو والصرف مع الصغار، ولمّا نبغتُ قليلًا انتقل شيخي معي ليعلمني مع الأكبر سنًا بقليل، وأصبحت أقرأ مع بعضهم، وأدرس النحو مع بعضهم، والصرف مع البعض الآخر، وفي النهاية لكل يوم يقرأ شيخي بيتًا من ألفية بن مالك، وليس كفرًا ولا إثمًا على المسلم أن يسأم شعر الأئمة والفقهاء؛ لأنني رغم حبي لمالك والشافعي بوصفهم فقهاء، أرى أنه أبغض الشعر على الإطلاق، كنت أحب خروجه عن النص، وقراءة الأشعار الأخرى، حتى وإن كان سني لا يسمح لي بفهم تلك الأشعار .

منذ إلقائي أبيات شعر من قصيدة «أهلًا بدار سباك» عندما كان عمري ست سنوات فقط، إلى يومنا هذا يُنكر عليّ الناس ذائقتي الشعرية، حينما أقول إن شعر الفقهاء أبغض أنواع الشعر العربي، وحينما أقول إن الشافعي أسوأهم، ينكرون عليّ رأيي مرة أخرى، كأنه جزء من الدين أن أُقر أن الشافعي هو شيخ الشعراء، ولا تتعجب يا عزيزي إن قلت لك إن بعضهم ظنوا إن المتنبي أقل من الشافعي ومالك في الشعر، وبعضهم جادلني في هذا الأمر، والأغرب من كل هذا، إن شيخي سليمان الذي كان شيخًا بحق الكلمة، الذي كان يقرأ في كتب العلم الشرعي مثل شهية هؤلاء في البحث في المواقع الإباحية، كان يقول لي إن المتنبي هو أعظم شعراء العرب، وإن الشعر الذي يَحتفي به الناس من شعر الأئمة ليس إلا تضامنًا أبلهًا يعتمد على الحس الإيماني على حساب المعرفة، والقدرة على معرفة جودة الشعر، في النهاية كل هراء الشعر الذي يعظك، الخالي من البيانية، والذي لا يحتمل أن ينظر له الشخص بمنظور الخيال، صار منتشرًا على حساب أجود الشعر وأعظمه، «المتنبي، والبحتري، وامرؤ القيس، والمهلهل» وغيرهم وغيرهم.

ساعدني الكُتاب رغم بشاعة وصف نزار القباني للكتاتيب في بعض قصائده على قراءة الشعر المترجم، على الرغم من أن قراءة الشعر المترجم هي أصعب أنواع القراءة على الإطلاق؛ أنت هنا لن تقرأ اللحن الذي يميل إليه قلبك، لا بحور العروض هنا، ولا حتى يا سيدي العزيز بعض صفات الحسن في لغتها قد تراها في لغة الآخرين، ولا مواطن الجمال في موطنك قد تراها، «بودلير» يقول الثدي ثديًا عكس ما يصفه بكل حياء «درويش»، «لوركا» لا يكتب في النساء، وسأترك لك خيالك لتعرف السبب، و«جوته» لم يكن لديه لغة رقيقة لكي يقول شعرًا رقيقًا، يستطيع «فولتير» بالألمانية أن يصف الآلام فقط إذ إنها لغة تؤلمك من وقعها وصعوبة نطق ألفاظها، في النهاية كنت أقرأ نتيجة انفتاح دنيا الخيال لي في زمن الخيال الإنساني الصرف، وأعتقد أن الذين يقرؤون الشعر المترجم هم الذين حافظوا على الخيال، وفي عالم التعاطف الديني الساذج الضار بالدين والدنيا، عندما تقرأ الشعر هكذا تكون فائزًا بالميزتين.

«4»

تعرفت على «غابرييل غارثيا ماركيز» في الميكروباص، كان منذ عام 2008 ومن أول قراءة استمتعت بمائة عام من العزلة، كنت على مقربة من إنهائها أثناء رحلتي الخرافية في زحام العالم القاهري المصمت بالبشر، وفي النهاية عندما وصلت منزلي أنهيت الكتاب، كنت قد قررت أن أعيد قراءة النص مرات ومرات على غير العادة، إذ إن القراءة المعتادة سابقًا في تلك الأيام من عمري وأنا ابن تسع سنوات فقط؛ كانت لمحاولة فهم المصطلحات، ومعرفة نبذة عن بعض الشخصيات المذكور اسمها في الكتاب، وفي النهاية عندما وصلت للنهاية كنت قد قررت تكرار الكتاب، والنسخة التي لدي من مائة عام من العزلة اليوم عمرها تسع سنوات، كنت قد قرأت في التسع سنوات هذا الكتاب مرارًا وتكرارًا. وللعلم منذ أيام كنت أقرأ مائة عام من العزلة كعادة لم أملُّ من فعلها بعد، في النهاية أود أن أوضح لك سرًا في عالم الرواية بشرح تلك العادة.

قراءة الرواية هي دعوة لك أن تصبح مخرجًا لسيناريو فيلم لم تقرأه من قبل، تصبح الرواية أكثر متعة عندما تصلح الحكاية كلها من محتوى أنت تعلمه جيدًا، محتوى تعيش بين طياته، إذ إنك تقوم بإخراج فيلم كتبه غيرك موضوعه العام، وقصة حياتك أنت، هكذا كانت مئة عام من العزلة تقريبًا، شعرت بأنني أقوم بإخراج فيلمي الخاص بعنوان «أيامي المائة في أعوامي المائة»، استمرت قراءتي للنص مع استمراري في الحياة، في كل مرة أقرأ النص أكتشف أمرًا جديدًا يجعلني أكثر نهمًا في تكرار النص؛ حتى أصبح النص متهالكًا، ورغم تهالكه وإدراكي لأغلب عيوب البناء فيه، إلا أنه يزداد هيبة ورهبة لمجرد ذكره، يصبح خيالي جامدًا، ويتحرك مع تحرك العين فوق الأسطر والكلمات، وعندما انتهي من القراءة، يصبح النص في النهاية أكثر تهالكًا ورهبة وهيبة، كما العجائز فجدتي العجوز هي رواية في الحقيقة.

«5»

حسنًا، الآن نصل إلى الفصل الأخير من الحكاية، سألني صديق عزيز عن خمس حكايات أحكيها عن الكتب؛ القراءة هي إدماني القديم، والذي صنع مني الإنسان الذي أنا عليه، عندما قال لي كنت أتذكر الطفولة فقط، كنت أرى أن القراءة أمر وردي يجلب لك السعادة، إن السواد الذي يقع في بعض الحكايات السابقة في الحقيقة ليس إلا ما أذكره فقط؛ لكي أضحك على حالي، اليوم أود أن أقول حقيقة ساخنة وصاخبة للغاية.

القراءة سم يجري في العروق، في كل يوم يتشاجر الناس على أقل الأشياء؛ نتيجة لعصر المعرفة الذي نعيشه، الناس جميعًا يمتلكون الحقيقة، وفي الحقيقة كلها ذات الحقيقة، جميعهم يملكون نتيجة لثورة الاتصالات، والمعلومات، وعلمانية المعرفة، والعولمة، ووسائل مختلفة لكي يعرفوا الأشياء عن طريق الأشياء نفسها، الإنسان إذا أراد أن يعلم درجة الحرارة وحالة الطقس، يمر على هاتفه المحمول والحاسب الشخصي لتفقد الإنترنت، وجريدة ورقية يومية، وتلفاز، وراديو، وربما يسأل الذي بجواره ويتشاجر معه في هذا الأمر.

هل سمعت عن رجل يقرأ كتابًا ليعلم مواقيت المطر؟، حسنًا كان ذلك هو الماضي البعيد يا سيدي، ربما أنت تضحك إذ علمت إن زرقاء اليمامة اشتهرت أيضًا بأنها تعلم مواقيت المطر؛ الحقيقة إن القراءة تجعلك مهانًا أكثر مما تتوقع، في كل يوم يتشاجر الناس حول حقائق سريعة وبلا قيمة، يصبح لدينا في كل يوم علماء كُثر؛ وكلما زادت سرعة وعدد العلماء من حولنا، ستجد مؤشر الاقتصاد يهبط أسرع من سرعة تزايد أعداد هؤلاء.

يا عزيزي مصر بلد لا يحب أهلها القراءة والقراء، أنا شخصيًا أتعرض للإهانة منذ طفولتي، كنت في الماضي أقاوم وأتحدث، الآن أنا صامت ولا أكلم أحدًا، فقط أجالس ورقة وقلمًا، تعلمت من الكِتاب أنه سم جميل؛ يجعلك تعرف أشياء كثيرة، وتعرف مواقيت الحرب من أجلها، كنت في صغري أراها عادة تجلب السعادة، والآن، ماذا حدث؟!

سألني صديق عن خمسة أشياء حول الكتب، قلت له إنني سأكتب مقالًا، وسأكتب منشورًا رقيقًا على موقع «فيس بوك». هنا الآن أختم المقال، هذا المقال تحدث عن الكتاب، ذكريات تبدو مثل القُصيصات، أقصر ما يمكن من القصر، وفي النهاية يا عزيزي وددت أن أوضح قيمة الكتاب الآن في نظري، حكيت الطفولة بأربع فقرات، وأما الشباب فالكتاب وسيلة للإهانة أكثر منها وسيلة للمعرفة، ولكنها وسيلة توصلك للسلام النفسي، أشكر الله على هذه الإهانة التي تقول لي إنني على أفضل حال، هذا عن ماذا حدث الآن بالضبط، أنا مُهان للغاية ولكني سعيد؛ لأنني كلما قرأت أدركت وانتظرت الموت بسلام وسعادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حكايات, كتاب, كتب
عرض التعليقات
تحميل المزيد