دائمًا ما تكون ظواهر الأمور مختلفة تمامًا عن بواطنها، ماذا لو ذكرت لك مصطلح «الحدود»؟ إن أول الأشياء التي ستظهر في مخيلتك هي (أسلاك شائكة، أسوار إسمنتية، أعمدة خرسانية… إلخ) إن ما ظهر في مخيلتك نابع عما تراه من الحدود التي هي حولك إن كنت في أوطاننا العربية، لكن الحال في بعض الدول الغربية مختلف نوعًا ما اختلافًا مميزًا فإذا ما نظرنا إلى الحدود الهولندية والبلجيكية فسنجد الحد بينهم رخامًا متناسقًا جميل الشكل.

إن الحدود بين الدول قبل أن تكون حدودًا مرسومة على أرض الواقع كانت حدودًا فكرية، إن فكر الشعوب ومدى وعيها بأهمية العلاقات مع دول الجيران هو الذي يحدد ماهية الحدود فقبل أن تنفتح هولندا على بلجيكا كانت عقول أبنائهم تفتحت، فعكس ذلك التفتح على أرض الواقع فرأينا ما رأينا.

أما الحدود التي بين الدول العربية فما زالت موضع دراسة ولكن لا أحد يعي أنه أصدر قرارًا بوقف التنفيذ ولم يصدر بوقف الدراسة، لكن شعوب الدول العربية ما زالوا محدودي الفكر لا يستطيعون العيش سويًا فيما بينهم لم تتضح لهم رؤية أنفسهم يرتحلون إلى بلدة عربية أخرى دون انتظار ما يسمى بـ«التأشيرة» فنحن نحب ما اعتدنا عليه لأنه بات سهل الانقضاء أما ما يجد علينا فنجده صعبًا لا طاقة لنا به ولا حمل، لذلك أنا أميل إلى وقف التنفيذ الذي أصدرته الجهات المسؤولة فالقرار كان صائبًا لأنهم أدركوا أننا ما زلنا لم نبلغ ذلك المستوى الفكري الذي بلغته شعوب الدول الأخرى.

بالمناسبة أنا لا أحط من قدرهم أو أفتري عليهم بما ليس فيهم ولكن ابحثوا في كل بلد عربي إن كانوا يستطيعون أن يقوموا بالتخلي عن عادة اعتادوها وخوض مغامرة تجريبية جديدة.

أما بواطن ظاهرة الحدود فتطرقت إليها بين تلك السطور السابقة، لذا فإن الحدود بينا لم تكن مجرد حفن تراب يتغير لونها بشروق الشمس وغروبها فالحقيقة هي أن الحدود التي بيننا هي فكر وثقافة هي إن شئت علمًا فقل وإن شئت رقيًا فقل.

إن الحدود في المرتبة الأولى تكون حدودًا فكرية وثقافية قبل أن تكون أسلاكًا شائكة مع أول مصيبة قد تحل في بلد ما لا يستطيع شعبها الهرب وإن حاول فيكون الهرب من الموت إلى الموت أو حتى إن احتاجت دولة مجاورة إلى متطلبات العيش الأولى من ماء ودواء وغذاء استطاعت أن تفر إلى شقيقتها فوجدت عندها ما تفتقر ذاك إن لم توجد حدود، فلو لا قدر الله حصرت دولة ما بالطبع سيمنع المحاصر سبل العيش عن تلك الدولة ليخور عزمها وتتنازل عن أرضها فيستوطنها، ستكون دولة الجوار بمثابة طوق النجاة الوحيد ما لم توجد حدود بينهم.

أرسلت رسالة إلكترونية على أحد مواقع التواصل الاجتماعي إلى أحد الأصدقاء وهو مقيم في دولة غربية فكنت أسأله عن حاله وبعد أن انتهى الحوار بيننا أدركت أننا وقعنا في بؤرة اللاحدود، فمن داخل قوقعتك تستطيع أن تزور دول العالم عن طريق كاميرات المراقبة المزودة بها شوارع المدن وأن تراسل الأشخاص أينما وجدوا، ثمة حدود أخرى على البسيطة هي الحدود الافتراضية.

تلك الحدود هي التي جمعت شعوب العالم في مكان واحد، هي الحدود التي اتفق عليها الجميع التي لم يعترض أحد عليها، زجرت الشعوب فيها دون شعور كدخولك في سبات عميق لم يشعروا كيف زجروا فيه أو حتى متى.

الحدود الافتراضية «اللاحدود» هي التي جمعت الشمل لملمت الشتات الذي كان العالم عليه حيث إن الكل اجتمع هناك، لكن ما زالت مشكلة إبداء الرأي موجودة فما أن أبديت رأيك في أحد المواضيع فبطبيعة الحال ستجد من ينقد رأيك ستتبادلون السباب في ذلك العالم كلما أبديت رأيك في مقال ما أو خبر فستجد في المقابل من يبدي رأيه في أمك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد