أثار قرار رئيس الدولة التونسية المساواة في الميراث ضجةً لأنه اعتدى على آية قرآنية واضحة لا تحتمل التأويل، ودون الدخول في خلفيات هذا القرار الذي لا نراه ذاتيًا صادرًا عن اقتناع من أصحاب القرار في البلاد بقدر ما هو مفروض بأوامر عُليا، ولا هو منطقي من حيث توقيته، في وقت تمر به البلاد بأزمات اقتصادية

أريد أن أتوقف قليلًا عند الآراء والردود التي حامت حول القرار وتكاد تكون كلها فقهية، ولعل الردود الفقهية نفسها أعطت أملاً في أن المسألة قابلة للنقاش والطرح، والأحرى أن لا تُخاض من الأساس.

فالطرح الفقهي لمسألة تدخل الدولة في الميراث زاد من حجية قرارهم في المساواة لأن الدولة المدنية حسب اعتقادهم لا تعترف بنص ديني، ولعل مدنية الدولة هي الورقة الرابحة التي راهنوا عليها لخداع الناس وتضليلهم ومن يعود لخطاب رئيس الدولة يلاحظ أن أول كلمة قالها هي أن الدولة مدنية ولا تعترف بشيء غير الدستور.

صحيح أن الدولة مدنية وبمستطاعها أن تقتبس من النص الشرعي وتعود إليه، وأفضل تعريف ما قدمه ابن عقيل حيث قال: السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي، فإن أردت ما بقولك إلا ما وافق الشرع أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة. فكلام الرئيس التونسي من حيث هذا التعريف مغالط ومجانب للصواب، لنفترض أن كلامه صحيح ونذهب معه إلى أن الدولة المدنية لا تعترف بنص شرعي، كيف يمكن حل الإشكال خاصة وأن علم المواريث وقتها لن يغير قرارهم حسب تعريفهم المشوه للمدنية.

لعل أفضل ما قاله علي ابن أبي طالب رضي الله عنه حينما بعث ابن عباس لمناظرة الخوارج وقال له: لا تحاججهم بالقرآن فإنه حمال وجوه، تقول ويقولون ولكن حاججهم بالسنة. وقد ذكر القرآن الكريم نمادج من هؤلاء النوعية من الناس الذين يتعمدون الحيلة حينما تظهر أمامهم الحجة دامغة، وخير مثال مناظرة موسى عليه السلام مع فرعون، حينما لم تنهض حجة فرعون تعمد تحويله والانتقال به إلى سياق آخر فقال تعالى على لسان فرعون: فما بال القرون الأولى. وهو استفهام يُراد منه التعجيز وليس طلبًا للحقيقة، والمثال الثاني مع إبراهيم عليه السلام حين قال للملك ربي يحيي ويُميت، فقام الملك بقتل شخص وترك آخر، وقال أنا أيضا أحي وأُميت، ففهم إبراهيم عليه السلام أن ذلك الشخص تعمد المناوءة فاستحضر له حجة بُهت لها الذي كفر: إن الله يأتي بالشمس من المشرق فإت بها من المغرب. فهل يختلف حال الذين يقدحون في آيات الميراث عن حال فرعون وملك بابل؟

وخلاصة الفكرة كيف تحاجج بالقرآن قومًا يتعللون بالمدنية  لينتصروا لدعواهم، برأي يمكن الطعن في هذا القرار من ناحية أخرى، مسألة الميراث مرتبطة أشد الارتباط بالملكيات ليس من حق الدولة التدخل فيها، وهذا ما يضعنا أمام إشكال آخر، أي حدود للدولة؟ فالمواطن مازال لم يستوعب أن الدولة يمكن أن يكون لها حدود لا يجوز تخطيها وإلا صارت دولة ذات نظام شمولي وتقتحم حياة الفرد وتهدد حرياته.

صحيح أن مصطلح دولة الحد الأدنى ظهر مع الفكر الليبرالي اقتصاديًا، لكنه يشمل الاجتماع والجوانب الحياتية الأخرى، روبرت نوزايك أحد المنظرين لفكرة دولة الحد الأدنى يرى أنه ليس من حق الدولة انتزاع الضرائب وإعادة توزيعها على الفقراء حتى ولو كان ذلك تحت ذريعة تحقيق العدالة الاجتماعية وخلق فرص التكافؤ، لأنها تمس حقًا طبيعيًا وهو ملكية الفرد.

إن مسألة تدخل الدولة ظهر أول ما ظهر مع ما يُسمّى العقد الاجتماعي وهو عقد مُبرم بمقتضاه ينتقل الفرد من حالة طبيعية تتسم بالفوضى إلى حالة من المدنية تتميز بالتنظيم، واختلفت آراء الفلاسفة حول درجة هذا التدخل، فإن كان توماس هوبز يُشيد بإطلاقية تدخل الدولة مثله في ذلك مثل سبينوزا، ما دام الفرد قد انضوى تحت طائلة ذلك العقد وتنازل عن جملة من حقوقه لفائدة تنظيمات ترعاها مقابل حمايته وانتفاعه بمزايا أخرى، إلا أن جون لوك لا يشاطرهما الرأي ويعتبر الملكية حقًا طبيعيًّا مرتبطًا بالفرد قبل أن ينتقل إلى حالة المدنية، ولا يجوز لسلطة الدولة المساس بملكية الفرد، وبذلك يرسم حدودًا لتدخل الدولة.

كما نرى تصير الدولة خطرًا في كثير من الفلسفات فحتى مدنية الدولة لا تخول لها التدخل في كثير من الحالات بما فيها الملكية، فالقضية ما عادت مدنية الدولة من عدمها إنّما أين تقف حدود الدولة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تونس
عرض التعليقات
تحميل المزيد