تضليل فكري

لطالما سمعنا أن الفقر والمرض والعوز هو حال الإنسان الطبيعي أو كما يصور لنا علماء الدين والمشايخ أنه ابتلاء من عند الله وأن العبد المبتلى محبوب من قبل رب العالمين وأنك كلما عانيت أكثر ستنال الفردوس الأعلى، كثيرا ما دخلت في نقاشات حول هذا الموضوع وعلى ما يبدو أنه فكر عام عند الكثيرين خصيصًا من جيل الخمسينات من القرن الحالي، الآباء والأمهات والجدات والأجداد، الكل رُبي على نفس النمطية التعيسة، (الحزن) مرادف للإيمان لأن الله لا يحب الفرحين، الكثير من المقولات المغلوطة والمشوهة لنفسية الإنسان وحتى لعلاقته مع (رب العالمين).

الإله العادل الذي جعلك يا ابن آدم خليفة في الأرض «وإذقاَلً ربك للملائكة أنى جَاعِلّ فى الأرضِ خَليفَةَ قَالُوَا أتَجعَلُ فِيهَا من يُفسِدُ فِيهَا».

وقال لك اعمل لأنه سيرى عملك ثم إنه من غير المنطقي أن يخلق الله كل هذه النعم في الوجود ليحرمك منها ثم يكافئك بمثلها في الجنة، وأن الدنيا دار امتحان وابتلاء ومرض، هذه الأفكار ما هي إلا زراعة لفكر لاواع وغسيل عقول لا أكثر، المجتهد سينال نصيبه من السعادة والنجاح، والفقر هو آفة تحتاج إلى علاج، لكن هذه الآفة تسيس لمصالح الحكام لا راعية فيتم بها تدمير أفكارك وأعماقك وأحلامك، عليك أن تكون قنوعًا ومطيعًا، قطعة صلصال يشكلونها كيفما أرادوا.

إن مانراه اليوم من ثورات عربية متتالية على الرغم من الإخفاقات والنجاحات المتباينة لها، ما هي إلا وليدة أفكار الظلام والتضليل، نحن الجيل الأكثر جرأة والذي قال لكل شيئا يهين العقل والتفكير السليم لا، حتى ولو كان الدين (الإسلام) هو دين مرن كما تعلمنا، لذلك يجب عليه مواكبة العصر الحديث وخيصصًا رجال الدين والأئمة.

طرح القضايا الشائكة بطرق اخرى مختلفة تحاكي العقل والمنطق، وقضية القناعة ما هي إلا حقنة مخدرة تعطى للفقراء والمساكين كي لا يطالبوا بحقوقهم لا في العمل أو السياسة أو المجتمع.

وبهذه القناعة يقوم ترتيب البشر الغني المتوسط والفقير ومنهم في قاع الفقر وهذا بحسب قناعة كل منهم.

والجدير بالذكر أننا لا نرى مسؤولين قنوعين! أو حتى رؤساء أو سياسيين، لماذا علينا نحن الشعب أن نكون مؤمنين خانعين لكل ما يقال؟

عليك ألا تكون شخصًا كسولًا يُسقى معلوماته من قبل الغير، بل ابحث وحلل وشارك عن المعلومة الصحيحة. ليس هناك مسلمات، عليك باكتشاف الحقيقة بنفسك، غير الذي ربيت عليه أو زرع في رأسك.

ما تقوله أمك أو أبوك الأكبر في السن من الممكن جدًا أن يكون خاطئًا وبشكل يضللك عن الحقيقة ويحيدك عن الطريق الصحيح.

الله والإيمان ليس لهما علاقة بالفقر ولا بالنبل ولا حتى بالجنة، إقدامك وعملك هي أشياء سوف تسأل وتحاسب عليها لأنك لم تغير شيئًا سيئًا في هذا العالم قد تحاسب عليه.

أعتقد بأن المفاهيم المغلوطة تشوه الدين والعلاقة السامية مع الله الوهاب، الذي وهب كل هذا الجمال والبهاء. والتعاسة ليست مقدرة، إنها اختيارية، البؤس ليس شيئًا ستجازى عليه، والتخلف ليس ميزة ،الطاعة لكل حاكم مفسدة، السكوت عن الخطأ يستوجب العقوبة.

الله العادل أعطى حتى إبليس مهلة وقال له اذهب للدنيا ثم هناك يوم ستعاقب فيه.

الله جعلك على الأرض ليرى إنتاجك وسعيك وإعمارك لها، لا تقبل بكل مسوغات التعاسة المهداة لك بثوب القناعة.

لأنه لا يمكن القبول والرضى بسوء الحال واعتباره قدر يجب علينا تقبله، وكما قال رسول صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير». البحث

النبي يدعوك للقوة والحكمة، يدعوك للعمل والجد، أما المسلمات التي ورثناها ليست إلا مرض عضال ينتقل من جيل إلى جيل، فاحرص ألا يبلغ هذا المرض أولادك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد