أين الرقابة على الأدوية المغشوشة؟

سؤال وجدته مطروحًا في طيات النقاش مع العديد من الأصدقاء، سؤال قد يبدو بسيطًا إلا أن إجابته ليست بالبسيطة، حاولت استرجاع السنوات الأخيرة القليلة من عمري التي قضيتها بين جدران الصيدليات؛ فوجدت العجب العجاب.

تذكرت تجار الأدوية المغشوشة، وكيف انتشرت تلك الأدوية في أغلب الصيدليات في غفلة تامة من الرقابة، فذات يوم اتصل بي صديق مهندس يطلب مني خدمة خاصة بإلحاح شديد، أخبرني عن مشاجرة حدثت بين اثنين من زملائه في العمل بسبب أحد أنواع الأقراص المنشطة جنسيًّا، بعد أن اتهم أحدهما الآخر بسرقة علبة المنشطات، سألته عن اسم تلك الحبوب المنشطة فأجابني «راعي الذئب»، تعجبت قليلًا من الاسم إلا أني أدركت أنه إحدى تلك الأقراص المغشوشة المنتشرة في سوق الدواء المصري، ألح صديقي عليّ لكي أحضر له تلك الأقراص بأي شكل حتى لا تتفاقم الأزمة بين زميلي العمل، وعدته بمحاولة توفيرها له خلال أيام، اتصلت بتاجر «الأدوية المستوردة»، وسألته عن تلك الأقراص، فأخبرني أنه سيحضرها لي خلال أيام قليلة، وبالفعل أحضر لي الأقراص وكانت المفاجأة أنه أحضر بالخطأ صنف آخر اسمه «راعي الكلب»، أخبرت صديقي بالأمر فحزن كثيرًا، وبالطبع رفض صاحب العلبة المسروقة تسلم «راعي الكلب» بدلًا من «راعى الذئب»! لكن ما حكاية «راعي الكلب» و«راعي الذئب»؟ وكيف يتم إنتاج تلك الأقراص المغشوشة التي يتقاتل عليها المصريون بسذاجة وجهل، عرفت أصل قصة تلك المنتجات المشبوهة عقب تلك الحادثة بأشهر قليلة، بعد أن تعرفت قدرًا على أحد كبار تجار تلك المنتجات المغشوشة، وأخذ يحكي لي كيف أنهم يشترون كميات من المواد الفعالة ذات الجودة المنخفضة من خارج مصر، ثم يتم تهريبها بعد دفع الرشوى والإكراميات إلى داخل مصر، ثم تذهب إلى أحد مصانع «بير السلم» في العتبة، وبالطبع يتم استخدام أرخص أنواع الخامات للتصنيع دون وجود أي رقابة على الجودة، ثم يتم التغليف بشكل فاخر، وكتابة معلومات مضللة تمامًا على العلبة الفاخرة من عينة «المنتج الأول في العالم»، وفي النهاية يتم التوزيع على الصيدليات، في البداية كان الصيادلة يرفضون بشدة التعامل مع مثل تلك المنتجات، ولكن بعد انتشار إعلاناتها على القنوات الفضائية مدعية قدرة سحرية عجيبة على تحويل الأغا إلى عنتر، أخذ المصريون يلجؤون إلى الصيدليات لتوفير مثل تلك المنتجات، ولأن كثيرًا من الصيدليات مملوكة ومدارة بغير صيادلة هدفهم الأول الربح المادي وفقط، فلم يجدوا حرجًا من الإتجار في تلك الأدوية بشراهة؛ بل والترويج لها حتى وإن تيقنوا من خطرها على الصحة العامة، بالمناسبة أتذكر أن أقرب صيدلية لي كان المسئول الأول عن صرف الأدوية فيها «مبلط» لم يجد البلاط مربحًا؛ فتحول إلى صيدلي يبيع جهله مع كل علبة دواء يصرفها لمريض، ويا لها من كوميديا سوداء، و إن سألت عن دور الوزارة في الرقابة على الصيدليات تجد العجب العجاب.

فكثير من مفتشي وزارة الصحة يتجنبون الرقابة على الصيدليات التي تتجار في المنتجات المغشوشة والمخدرات، لماذا؟

لأنها أماكن مشبوهة ذات سمعة سيئة؛ فيربأ المفتش بنفسه عنها، ويكتفي بالرقابة على الصيدليات ذات السمعة الطبية!

ولكن الصيديات ذات السمعة الطبية لا ترتكب مخالفات؛ إذًا فالمفتش لن يجد مجالًا «للتعليم» على الصيدلي، وإثبات أنه يعمل ويكشف عن الخفايا كما يفعل المفتش «كورمبو»، فما الحل؟

الحل ببساطة هو «التفاهة»، يبحث المفتش عن أي شيء تافه مثل «قص شريط مسكن»، أو وجود دواء مستورد مصرح به في العالم المتقدم بأسره، ولكن لم يصل إلى مصر بعد، ويحتاجه بعض المرضى بشدة، أو أي سبب آخر ليوجه إلى الصيدلي اللوم والعتاب، ولا بأس من تقرير بالمخالفة ليثبت أنه يعمل بجد، وفي النهاية تبقى الحقيقة واضحة أن المفتش غالبًا لا يفتش، ولا يراقب إنه فقط «سد خانة»، ومن أمن العقوبة أساء الأدب، وما أكثر إساءة الأدب في الصيدليات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد