المتتبع لتاريخ العرب من قديم الزمان يدرك أن ثقافتهم تقوم على الشجاعة وإباء الضيم والثأر من العدو بالإضافة للكرم وعزة النفس.. وهذا يتضح من خلال استقراء الشعر العربي – وسيلة إعلامهم – حيث يقول عنترة:

ولقد أبيت على الطوى وأظله
حتى أنال به كريم المأكل

 

وقد تجسدت فيهم هذه الصفات فكانوا يَمدحُون بالكرم ويَذُمون بالبخل.

1》 من كرمائهم: حاتم الطائي

من أشهر من اشتهر بالكرم عندهم حاتم الطائي: فقد اشتهر بالكرم وقرى الضيف يقول:

أُضاحِكُ ضيفي قبلَ إنزال رَحْلِهِ
ويُخْصِبُ عِندي والمَحَلُّ جَدِيبُ
وما الخِصْبُ لِلأَضْيافِ إن يَكْثُرَ القِرَى
ولكنما وجهُ الكريمِ خَصِيبُ.
ويقول أيضًا:
يقولونَ لي: أهلَكتَ مالَكَ فقتَصِدْ
وما كنتُ، لولا ما تقولونَ، سَيِّدا.

إن الباحث عن المجد والسيادة عند العرب لا بد أن يكون جوادًا كريمًا شجاعًا لا يرضى الدنية ولا يترك ضيفه وحيدًا، بل يسهر معه ويحسن ضيافته، وهذا ما يسمى عندهم بقرى الضيف، وهذا ما يفسر قول حاتم: وما كنت لولا ما تقولون سيدًا.

وقد قال المتنبي:

لولا المشقة ساد الناس كلهم

الجود يفقر والإقدام قتال

عندما سئل حاتم هل غلبه أحد في الكرم قال: نعم، غلام يتيم نزلت عنده وهو لا يملك سوى 10 رؤوس من الغنم فذبح لي رأسًا منها، وأصلح لحمه فاستعذبت منه الدماغ فخرج من بين يدي وجعل يذبح رأسًا رأسًا ويقدم لي الدماغ وأنا لا أعلم، فلما خرجت لأرحل نظرت حول بيته دمًا عظيمًا وإذا هو قد ذبح الغنم بأسرها فسألته: لما فعلت ذلك فقال: أتستعذب شيئًا أملكه فأبخل به عليك.. قيل يا حاتم: فما الذي عوضته؟ قال: ثلاثمائة ناقة حمراء و500 رأس من الغنم. فقيل: إذًا أنت أكرم منه! . فقال: بل هو أكرم، لأنه جاء بكل ما يملك، وإنما جدت بقليل من كثير. كان مع جوده وكرمه عزيز النفس حلو الشمائل بشوشا مع ضيفه فشعره يتدفق بمكارم الأخلاق، موغلًا في الصدق.

2》من شجعانهم: عنترة بن شداد

من نافلة القول إنه كان فارسًا مغوارًا وشاعر لا يشق له غبار مع عفته وطيب نفسه رغم ما تعرض له من إهانة نفسية على أساس لونه فقد كانت أمه جارية والعرب لا تعترف بأبناء الجواري ما لم يتميزوا بفروسية أوشاعرية جمة.. تقدم عنترة لخطبة ابنة عمه عبلة، لكن والده رفض تزويجها من رجل أسود البشرة.

لقد ظهرت قوته وشجاعته منذ ولادته وكانت تهذب هذه الشجاعة عزة نفس ومروءة قل مثيلها فبينما هو ذات يوم عند البئر إذ شاهد عبدًا يعتدي على عجوز فساءه الأمر وذهب لنجدة العجوز فصرع العبد حتى أرداه قتيلًا بلطمة واحدة. يقول:

هلا سألت الحي يابنة مالك
إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
يخبرك من شهد الوقيعة أنني
أغشى الوغى وأعف عند المغنم

 

ومن شعره:

إني امرؤ سمح الخليقة ماجد
لا أتبع النفس اللجوج هواها
ولئن سألت بذاك عبلة خبرت
أن لا أريد من النساء سوها

 

وكما قيل تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.. أغارت إحدى القائل على ديار العبسيين وخطفت عبلة، وكانت الفرصة التي سيظهر عنترة من خلالها فروسيته وحبه لعبلة بعد أن عبث بجيش المعتدين على دياره وألحق بهم أشد العذاب.. يقول:

وَلَقَد أَبيتُ عَلى الطَوى وَأَظَلُّهُ

حَتّى أَنالَ بِهِ كَريمَ المَأكَلِ

وَإِذا الكَتيبَةُ أَحجَمَت وَتَلاحَظَت

أُلفيتُ خَيرًا مِن مُعَمٍّ مُخوَلِ

وَالخَيلُ تَعلَمُ وَالفَوارِسُ أَنَّني

فَرَّقتُ جَمعَهُمُ بِطَعنَةِ فَيصَلِ

هذه الفروسية والشجاعة الموغلة في العفة هي ما تميز شخصية عنترة وتجعلها شخصية تستحق الإشادة. من خلال ما سبق، يمكن القول إن العرب يتميزون بالشجاعة والكرم، فهل هو أمر مبالغ فيه أم أن تاريخهم كان مشرقا لهذه الدرجة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد