ثمة تساؤل شغل عقل المجتهد المسلم منذ القدم وهو: كيف للنصوص المتناهية استيعاب وقائع غير متناهية؟

وفي الآونة الأخيرة حظيت نظريات سعة الشريعة الإسلامية وحدودها باهتمام كبير لدى فقهاء المسلمين ومفكريهم نظرًا لعدة عوامل منها:

قد اجتاحت الطروحات الأيديولوجية والمدارس الفكرية العالم الإسلامي في القرن العشرين خاصة في الخمسينيات والسبعينيات منه، ولا سيّما المدارس الماركسية والاشتراكية وأمثالها. وهذه الطروحات والأيديولوجيات كانت تتفاخر بأن لديها نظامًا سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وتعليميًّا وتربويًّا، وأن النظام الإسلاميّ غير قادرٍ على الانسجام والتكيُّف مع متطلبات العصر، ولا يصلح إلا للمواءمة مع العصر الزراعي والقبلي الذي عفا عليه الزمن.

 فكيف يمكن لنظامكم الفقهي والاجتهادي أن يواكب الحياة في العصر الحديث المليء بالتطور والتكنولوجيا؟!

الحياة تتغير وفقهكم الإسلامي ثابت، فما هو السبيل لتناسب الثابت مع المتغير؟

 وكيف يمكن لهذة الشريعة أن تغطي المتغيرات؟

واجه المفكر والفقيه المسلم ثغرة أساسية شكلت تحديًا بالنسبة إليه، فأين هو البرنامج الاقتصادي الإسلامي؟

وأين هو نظام العلاقات الدولية؟ وأين هو النظام البيئي؟

من هنا فإن ما يدفع الفقيه المسلم إلى الدخول في غمار هذا البحث هو الدفاع عن الإسلام ليقول: إن هناك انسجامًا بين الإسلام والتغيرات والتحوُّلات بين الحياة المتحولة والفقه والشريعة الثابتة.

نظرية شمولية الشريعة التفصيلية 

يرى أنصار هذا الاتجاه أن الشريعة الإسلامية تشمل أحكامها كل زمان ومكان وتملك منظومة كاملة لكل ما يتعلق بالإنسان والكون والحياة وتتضمن حكما تفصيليا في كل واقعة ونازلة إلى يوم القيامة وإن نصوصه الكلية تندرج تحته جزئيات لا تتناهى مستنبطين من النصوص (قاعدة ما من واقعة إلا ولها حكم) ومستدلين بقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا..).

ويلاحظ أن الآية الكريمة لا تتحدث عن أحكام تفصيلية لكل واقعة بل تتحدث عن يأس الكفار وفشلهم في القضاء على الدين والتجربة النبوية، فأكمل الله دينه بقيمه ومبادئه وأخلاقياته الشاملة وأتم نعمته باعتناق الناس الإسلام ودخولهم في دين الله أفواجًا.

واستدلوا أيضا بقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ).

وقوله تعالى: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ).

ولكن هل الكليات في العرف اللغوي عند العرب هي نفس مفهوم الكليات عند الأصوليين والمناطقة؟

 نجد أن القرآن الكريم استخدم لفظ كل كناية عن طرق الهداية والخير والكثرة والأغلبية والعظمة والهيبة وشدة الدمار والخراب لا الشمول والاستيعاب وفق مفهوم الأصوليين والمناطقة.

 قال تعالى: (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ).

وقوله تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يعلمون).

 وقوله تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ …).

 فالشمول في المنهج الرباني يستقطب كل حاجيات البشر، ويستوعب كل مصالحهم الدينية والدنيوية. فهو يتناول النفس البشرية بالإصلاح، وشؤون الأسرة بالتربية، ومشاكل المجتمع بالتنظيم ويتناول الشمول العلاقات الدولية والإنسانية وعلى الخصوص وحدة الأمة الإسلامية وأخوتها وعلاقتها بغيرها من الدول في حالتي السلم والحرب.

وهو في الشريعة الإسلامية يعالج كل شؤون الحياة الإنسانية فليس هناك من خيرٍ إلا دعا إليه، ولا من شرٍّ أو محظورٍ إلا نهى عنه ومنعه.

تقييم نظرية شمولية الشريعة التفصيلية

نرى أن أنصار هذا الاتجاه قصدوا بشمولية الشريعة التفصيلية رفض المرجعية الإنسانية المساعدة مطلقا وهي تلك القوانين التي أنتجها العقل الإنساني والتجارب البشرية دون الاعتماد على مرجعية القواعد الأصولية الفقهية التي نظمها المسلمون لاستيعاب الوقائع والمستجدات (قوانين السلطة التشريعية، قوانين الدولة المعاصرة، القوانين الأجنبية).

 فالدولة المعاصرة وقوانينها هي نتاج غربي ذات نزعة مادية نفعية قامت بتدمير البيئة والطبيعة واستهلاك ثرواتها من أجل السيطرة على البشر واستعبادهم وخلق نظام مالي عالمي جديد عن طريق استبدال الذهب والفضة والتي يستمد قوتها الشرائية من ذاتها بعملات ورقية تستمد قوتها الشرائية من قوة الدولة ذاتها وسيادتها فلسنا مسئولين عن هذا الفساد الذي أنتجه الغرب المادي وقوانينه من أجل السيطرة على العالم؛ وبالتالي فمن المجحف إقحام الإسلام في أطماع الإنسان وأسلمة الحداثة الغربية وقوانينها فرفض هذا الاتجاه الشمولي نظام الدولة المتدخلة المعاصرة ولا يؤمن إلا بنظام الدولة الحارسة النظام الذي كان عليه العهد النبوي والخلفاء الراشدين والدول الإسلامية المتعاقبة.

وهذا يفسر رفضهم للديمقراطية المرتبطة بكونها نتاجًا غربيًا ماديًا خارجًا عن المرجعية الأصولية الفقهية في معالجة الواقع واستيعاب المستجدات، فصنفوا الدولة الحارسة من الثوابت فلم يناد فقيه مسلم بتطوير نظام الحكم وتأسيس دستور والفصل بين السلطات وتوزيع سلطات الحاكم إلى سلطات تشريعية وقضائية وتنفيذية وتحديد مدة الحاكم وتوسيع قاعدة الشورى لتشمل النخبة والعامة وإثبات حقوق سياسية من ترشح وترشيح وتكوين أحزاب سياسية معارضة فيثيرون التساؤل هل كل هذه المنظومة غابت عن عقل الفقيه المسلم الذي يملك أدوات أصولية من قياس واستحسان واحتياط واستصحاب وبراءة الذمة وعناوين ثانوية وأدلة أصولية عامة ومطلقة تندرج تحتها جزءيات ومصاديق تجعله يستوعب الوقائع والمستجدات ويدير شئون المسلمين من خلالها؟!

ولكن أليس من سنن الله الكونية هو تطور مفاهيم وعقول البشر؟

فشريعة الله تعالى تطبق في أحلك ظروف البشر كما تطبق في أفضل ظروفهم وعلاقتهم تجاه خالقهم وبعضهم البعض، فهب أن البشرية في حالة انتكاسة وغربة عن الطريق المستقيم باتباع نظم الغرب أليس من الأفضل حضور الدين وبقوة حتى ولو اعتبرنا حضوره هذا بعناوين ثانوية (أحكام استثنائية لضرورات وغيرها) بدلا من أن ينسحب أنصار هذا الاتجاه من الساحة الفكرية وينفصلوا عن الواقع؟!

وبملاحظة أحكام القرآن الكريم نجد أنها تنقسم إلى أحكام تأسيسية وأخرى إمضائية إقرارية.

والشريعة معظمها أحكام إمضائية إقرارية لقوانين وتجارب البشر من بيع وشراء ورهن ومضاربة وقصاص وعقوبات وشورى إلخ …، فهي تشريعات سبقت الإسلام (قوانين محلية، قوانين دولية، قوانين وتشريعات أنبياء وأمم سابقين) وقامت الشريعة إما بالإقرار وهذه السمة الغالبة أو التعديل والتنقيح أو التدريج أو التنظيم لعادات وتقاليد مثل الاسترقاق إلى فترة نضوج العقل البشري والذي قام بتجريمها قانونيا، فالقرآن الكريم أشاد بالعقل الإنساني وتجاربه عبر قرون، والأحكام والقوانين التنظيمية تدرك بالعقل والتجارب حتى إذا فقد النص إلهي، فاليونان والرومان أدركوا الشورى بدون نص ديني بسبب تجارب بشرية وبعد صراعات على الحكم أدركوا بعقولهم إن أفضل وسيلة للوصول للحكم بدون دماء هي الشورى وهذا ما أقره المولى في التشريع الإسلامي (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ).

والقصاص طبقه الرومان وأفرزوا قاعدة تسمى (التخلي عن مصدر الضرر).

بعد صراعات دموية بين القبائل كادوا أن يهلك بعضهم بعضًا، فقبيلة القاتل بأسرها مسئولة مسئولية جنائية أمام قبيلة المقتول وتصبح القبيلة كلها مهدرة الدم إلى أن توصلوا لفكرة القصاص الشخصي وتسليم الجاني للقبيلة الأخرى تقتص منه وأفرزوا قاعدة تسمى (التخلي عن مصدر الضرر).

 وهذا ما أقره المولى عز وجل: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ).

وكذلك جرم القانون الروماني والمصري والعراقي القديم (الربا الفاحش) الذي يدمر المجتمع ويؤدي إلى نشر ظاهرة التفاوت الطبقي والفقر والبطالة وكنز المال وحصره في طائفة معينة ويصبح المدين عبدا عند دائنه عقوبه له إذا عجز عن سداد دينه وهذا ما أقره القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ).

فكل ما يخطر في بالنا على مدار قرون منذ آدم عليه السلام طبقوه البشر المؤمن والكافر معا بصفتهم مشرعين لقوانين تنظم شؤون البشر، فالسمة الغالبة في أحكام الشريعة هي أحكام وتجارب بشرية أقرها الشرع وليست أحكامًا إلهية محضة حكمت منه سبحانه وتعالى!

فالشرع لم يأت لهدم جميع النظم الاجتماعية المستقرة بل ترك مساحة للعقل البشري يشرع فيها ويجرب ويجرب إلى أن يصل إلى مرحلة النضج في تشريعاته وفق إطار المبادئ والقيم الأخلاقية التي حث عليها الشرع، وليس بالضرورة الموافقة على كل أحكام العقل الإنساني بل الموافقة على أصل مرجعية العقل الإنساني باعتباره هبة من الله تعالى.

فالسؤال الذي يطرح نفسه إذا كانت الشريعة الإسلامية أقرت عادات وتقاليد وخبرات العقل البشري فلماذا العقلية الشمولية رفضت مرجعية العقل الإنساني وما توصل إليه العقل البشري الغربي في تطوير نظم الحكم وتقبل المشتركات الإنسانية العامة؟!

فالفقيه المسلم هو الذي تقاعس عن دوره لأسباب كثيرة لا يسع المقال ذكرها الآن في تطوير نظم الحكم وإيجاد وسيلة سلمية لانتقال السلطة بدلا من حمام الدماء الذي لم ينقطع منذ سقوط دولة الخلفاء الراشدين!

هل كل الأدوات والقواعد الأصولية التي يستخدمها الفقيه في استيعاب الوقائع والمستجدات لم تستطع أن تنتج نظاما سياسيا سلميا بدون دماء كما أحداث التاريخ الإسلامي!

أم أن الاستبداد السياسي في تاريخنا هو السبب والذي تجاوزه الغرب وحرروا عقولهم فأنتجوا أفضل نظام توصل إليه العقل البشري؟!

هذا بالنسبة للنظام السياسي، ماذا عن المستجدات والوقائع والنوازل المعاصرة الأخرى من قبيل (نظم البيئة، استغلال الثروات الطبيعية والإسراف فيها، الجمارك، زرع ونقل الأعضاء، ظاهرة الاحتباس الحراري، التلقيح الصناعي، أسلحة الدمار الشامل، …إلخ).

كيف تعامل أصحاب النظرية الشمولية التفصيلية في استيعاب هذه الوقائع والمستجدات المعاصرة؟

هل سيتعامل معها بإلغاء خصوصية النصوص وتجريدها وإنزال المستجدات منزلة القديم كما في بعض صور العقود المستحدثة بتكييفها وقياسها على العقود القديمة وذلك عن طريق استخدام القواعد الأصولية: (القياس، الاستحسان، الاستصحاب، براءة الذمة، نظرية المصالح والمفاسد، الاحتياط، عمومات الأدلة وإطلاقاتها، العناوين الثانوية، الكليات ومصاديقها من الجزءيات)؟

ولكن هذه المستجدات لا يمكن استيعابها بنصوص الكتاب والسنة أو بمرجعيات القواعد الأصولية والفقهية ك عمومات الأدلة وإطلاقاتها فلسنا نتحدث عن كليات جامعه كما في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)

 وتندرج تحت هذه القاعدة (الوفاء بالعقود) جميع العقود المسماة وغير المسماة، إذن هذا النطاق يعبر عنه بنطاق المجهولات التي تنكشف بتطور وتقدم العقل الإنساني فسنحتاج هنا إلى مرجعية العقل الإنساني المساعد في تنظيم مستجدات لم يكن منشؤها في الأصل في بلاد المسلمين.

 هذا كله يفرض تنظيمًا وسلطات تشريعية على المستوى الداخلي والدولي والإقليمي وقد تكونت حقا هذه السلطات كوكالة الطاقة الذرية، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة حماية البيئة وغيرها، وهذه السلطات قيدت حرية البشر وألزمتهم بما لم يرد في النصوص، إن هذه المجالات بما يسمى عند بعض المعاصرين بنظرية (منطقة الفراغ التشريعي).

وختامًا، نلاحظ أن الاتجاه الشمولي التفصيلي عجز عن استيعاب الوقائع والمستجدات وتصادم مع الواقع تصادما عنيفا، مما دفع أصحاب الاتجاه العلماني إلى المناداة بتاريخية النص مطلقا وبنظرية (الانعزال) انعزال النصوص التفصيلية الثابت منها والمتغير عن الواقع وعدم الاستمداد بقواعد أصول الفقه في استيعاب الوقائع والمتغيرات وأن تكون المرجعية لاستنباط التشريعات هي القيم والمبادئ والأخلاقيات وتقنينات العقل الإنساني.

مما أدى إلى ظهور نظرية تجمع بين الشمولية والتاريخية (مقاصدية النصوص) وينادي هذا الاتجاه بتاريخية بعض النصوص وتفعيل قواعد دور الزمان والمكان في تغيير الأحكام وتوقف العمل بالنص لتغير العلة والجمع بين الأصول العملية والاستفادة من خبرة العقلية الأصولية وبين التقنينات البشرية المعاصرة وتجاربها والمشتركات الإنسانية العامة، وهذا التجربة رائدة بالفعل ونأمل في المستقبل القريب أن تحل محل نظرية الشمولية التفصيلية السائدة في الفكر الإسلامي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد