في أواخر عام 2015، وفي هذا البيت الكبير الذي اعتاد أن يحتضن ويستقبل أبناء الحركات الإسلامية من دول عربية وإسلامية شتى بحسن الضيافة للمهاجرين وبترحاب منه كالأنصار، هناك حيث منزل الدكتور «حسن الترابي» رحمه الله في العاصمة السودانية الخرطوم.

وبعد عناء ما لاقيناه من نصب وتعب مرير وما رأيناه من مشاهد دمعت منها القلوب قبل الأعين في بلدنا، قال لنا «الترابي» حديثًا -ونحن بين يديه- أراد به أن يبُث الثقة في نفوسنا الكليلة المتعبة، قال: «يا إخوان مصر ستعودون لوطنكم بإذن الله تعالى، ولكن يجب أن تدفعوا أولًا ضريبة عالية، لأن عودتكم ونصركم، هي نصر للأمة جمعاء، لأنكم كنتم ولا زلتم قاطرة النجاح في العالم الإسلامي».

لم يكن يهذي هذا الرجل الكهل صاحب الخبرة الكبيرة في التعامل مع الأنظمة والحكام، وصاحب البصيرة الفذة التي سخر منها بعض قيادات الإخوان المسلمين إبان زيارة الترابي لمقرهم بالعاصمة المصرية القاهرة بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) عام 2011، وقتها نصحهم الرجل نصيحة من صاحب تجربة سابقة وقال لهم: «الدولة العميقة وبقايا نظام مبارك لن يتركوكم لتُحققوا أي نجاح، فعليكم أولًا بالمجالس النيابية والنقابات والمجالس المحلية حتى تتمكنوا من مفاصل الدولة، فيسهل عليكم تطهيرها من كل فاسد، وابتعدوا كل البعد عن مجرد التفكير في الاقتراب من كرسي الرئاسة في هذا الوقت تحديدًا؛ لأنكم لن تُحسنوا سياسته لا محليًّا ولا دوليًّا، وإن وصلتم إليه، سيتكالب عليكم القاصي والداني ولن تستطيعوا الصمود أمام هذا السيل الجارف؛ لأنكم لا زلتم في حالة فقر سياسي في التعامل مع تلكم الأمور».

نصحهم الرجل إذًا، ولكن لم يجد في من نصحهم آذانًا صاغية لنصحه؛ بل وفوق كل ذلك رد عليه وقتها أحد قيادات إخوان مصر، وهو على قيد الحياة الآن، قائلًا: «يا شيخ حسن إحنا أدرى بأمورنا كويس». أدرك الرجل الجليل وقتها أن الأمر ليس على ما يُرام، وغادر أرض الكنانة عائدًا إلى وطنه حزينًا، يجُر أذيال الخيبة من رد هذا القيادي الصادم له.

نعم، عاد الرجل إلى وطنه «السودان»، وكتب الله تعالى على من نصحهم وأتباعهم بعد أشهر قليلة أن يُهاجروا إلى نفس ذات الأرض التي خرج منها الرجل مُسرعًا لينصح لهم من دون أي مقابل، ولكن بعضهم كان ولا زال لا يحب الناصحين، وتولى بعضهم كبره على هداية الرجل لهم، واستحبوا العمى على الهدى، فأخذتهم ضربات الانقلاب العسكري بما كانوا يكسبون، وحدث ما حدث من مجازر ومذابح لكل أبناء الحركة الإسلامية المصرية من جراء هذه العنجهية الفارغة منهم.

لكن الرجل لم يقابل السيئة بالسيئة بعد هجرة الإخوان إلى وطنه، ولكن قابل سيئتهم له بغير ما كانوا يتوقعون، فاستقبلهم بصدر رحب هو وأبناؤه وإخوانه من قادة وأبناء الحركة الإسلامية، وفتح لهم داره بكل حب وود، وكأن شيئًا لم يكن، وتغاضى عما حدث له من إهانة لشخصه الكريم، وظل على مبدأه يبُث الأمل في نفوس أبناء دعوته من المصريين حتى وفاته في مارس (آذار) عام 2016.

أين المشكلة إذًا؟! وأين تكمن؟

المشكلة الكبرى يا سادة أننا أمام جيل لا يعترف أبدًا بأخطائه أو زلاته وكبواته وعثراته؛ بل ويبحث لها دائمًا عن مدلول شرعي من وجهة نظره الضيقة، هو جيل فريد من نوعه إذًا، يتمرس ويتفنن في التكيف مع الحالة الانهزامية التي تصيبهم من عهد لآخر كما أوضحنا في الجزء الأول من هذه السلسلة، هذه الحالة التي ورثوها عن مرشدهم الثاني المستشار «حسن الهضيبي» رحمه الله؛ بل وينشرونها في نفوس أتباعهم بإثبات شرعي، ويستدلون بها على أن ما يحدث لهم وما صدر قبل ذلك من مراكز قيادتهم ليست بأخطاء كما يردد الكثير سواء من التنظيم أو من خارجه، لكنه بمفهومهم بلاء وابتلاء وقضاء وقدر وفقط.

وقد حدث لمن هو أفضل منا وهو سيد الخلق «محمد» صلى الله عليه وسلم في الثلاثة عشر سنة الأولى بعد البعثة النبوية من اضطهاد له، وتعذيب لأصحابه في مكة المكرمة، ويكأن التنظيم حتى الآن وقد شارف عمر نشأته على 100 عام لا زال محصورًا في العهد المكي، عهد أبى جهل وأكابر قريش ومجرميها!

ولم يتجاوز بعد المرحلة المكية من وجهة نظر قادته، ليس هذا وحسب؛ ولكن الأمر الأخطر الذي نحن بصدده أن هذا الجيل يتعفف حتى عن مفهوم «سياسة الاعتذار» عند خطئه، ويرى في هذا التعفف قوته، رغم أن هذا هو الضعف بعينه، فما كانت سياسة الاعتذار إلا من أشخاص قوموا خطأهم وصححوا مسيرهم، وإذا أصلنا المسألة بتأصيل شرعي كما يفعلون هم، فإن لنا في إخوة النبي «يوسف» عليه السلام المثل الأول في سياسة الاعتذار عند الخطأ حين قالوا بعد خطئهم في حق أخيهم وأبيهم وكل أسرتهم: «يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين» فلم يتعففوا من اعتذارهم، ولم يستكبروا عند التيقن من الخطأ، ولم يجدوا في ذلك أي غضاضة من الاعتذار؛ لأنهم كانوا حقًّا خاطئين عندما كذبوا على نبي الله «يعقوب» عليه السلام، وقالوا في بادئ الأمر إن الذئب قد أكل يوسف.

ومن بعد إخوة يوسف، النبي «محمد» صلى الله عليه وسلم حين اعتذر من لكزه لصاحبه وهو يرص الصفوف قبل الغزو، وعلى هذا النهج النبوي نفسه سار أمير المؤمنين «عمر» رضي الله عنه، واعتذر على المنبر في الجابية أمام الناس من عزله «خالد بن الوليد» رضي الله عنه، ولم يتحرج من ذلك أبدًا حين قال: «وإني أعتذر إليكم من عزل خالد بن الوليد».

حتى وإن بعدنا عن زمن الأنبياء والصحابة، واقتربنا قليلًا لواقعنا المعاصر، نجد أنه حتى زعماء العالم اعتذروا لشعوبهم عن أخطاء صدرت منهم كـ«إمبراطور اليابان ونيكسون وكلينتون» وغيرهم كثيرون.

يا سادة الاعتذار لا يُسقط الهيبة، إنما تذهب الهيبة بالعنجهية والتكبر والشعارات الفارغة والمضي قدمًا نحو مزيد من الأخطاء والزلات والعثرات التي لا يعاني منها ولا يتحمل تبعاتها إلا جيل الشباب، والأجيال المتعاقبة من بعدهم.

ولكن حتى نكون منصفين هناك تيار من تنظيم الإخوان المسلمين غير القيادة التاريخية قدم مراجعات لما حدث من بعد ثورة يناير، وحتى المذبحة الكبرى في رابعة والنهضة، وحدد نقاط الخلل، واعتذر عن أخطاء كارثية صدرت من قادته وقتها، ولكن العجيب في هذا الأمر أن تصدر هذه المراجعات والاعتذارات من القاعدة ولا تصدر من قيادة التنظيم، المسؤولة أصلًا عن القرارات التي أوصلتهم إلى ما هم عليه الآن، وهذا إن دل فيدل على سلامة مقصد القاعدة، ويدل أيضًا على فشل وتخبط القيادة المهترئة، بدليل أنه بعد صدور هذه المراجعات صرح متحدث باسم التنظيم، وقال نحن لم نصدر أي بيان أو مراجعات أو اعتذارات، وهي بالنسبة لنا والعدم سواء، ومن خرجت هذه منه ليس محسوبًا علينا!

وهذا للأسف الشديد تأكيد منهم على مواصلة السير في النفق المظلم دون رجعة، الأمر الذي أوجد في مجتمعنا مفهوم «الفكر التبريري». هل سمعتم عن الفكر التبريري يا سادة؟ هذا الفكر الأصل فيه هو التهرب من المسؤولية والالتواء والمكابرة عن الاعتراف بالذنب، وأصحابه بارعون جدًا في اختلاق آلاف المبررات حتى يستطيعوا معها أن يجعلوا ساحة نفوسهم نقية طاهرة، وأن ظروف قاهرية أخرى هي المتسببة في كل الكوارث التي وقعت لهم، هؤلاء أيضًا هم أصحاب منهج ونظرية «ليس لنا علاقة بالنتائج» لأنها من عند الله، وهذا الذي لم يقدم للأمة سوى مزيد من الضحايا، واستنزاف المزيد من التضحيات والجهود في غير موضعها الصحيح.

أتدرون ما هي خطورة الفكر التبريري الذي نتحدث عنه؟
أولًا: كما قلنا تطهير ساحة النفس بل وتقديسها، وتبرئتها من الأخطاء، الأمر الذي يقطع الطريق على سنن الله في التغيير.
ثانيًا: إلقاء اللوم على الآخرين، الذين تتضخم قوتهم يومًا بعد يوم، بينما النفس قاعدة عن العمل بإخلاص وصواب؛ لأنها تدعي أنها بريئة من أي مسؤولية.
ثالثًا: شيوع الحالة الاتكالية التي تنتظر معجزة من السماء.
رابعًا: استهلاك الطاقات والأعمار والأموال في الحديث عن مساوئ العدو، ومساوئ الآخرين، والإفراط في الحديث عنها والاكتفاء بذلك دون اتخاذ خطوات المعالجة.
خامسًا: العقم الفكري أمام النظر في سنن الله في الكون والحياة والإنسان.

يا سادة ماذا سيحدث إذا استبدلنا هذا المفهوم وهذا المنهج الخاطئ بمفهوم الأخذ بالأسباب، واتباع السنن بصورة متكاملة دقيقة صارمة تحسب حساب كل صغيرة وكبيرة، ونحن المسؤولون عن النتائج، أليس هذا المنهج هومن يضع الأمة على الطريق الصحيح، ويأخذها برفق مع الحزم إلى النجاح والتمكين والريادة من جديد بعون من الله؟
أليس هذا هو الأحرى بالجميع الآن، أن نستبدل الفكر والمنهج قبل أن نُستبدل؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد