كلام الليل يمحوه كلام النهار

بينما كان محمد بن زبيدة الأمين بن هارون الرشيد يطوف بقصر له، إذ مر بجارية له سكرى، وعليها كساء خزّ تسحب أذياله، فراودها عن نفسها، فقالت: يا أمير المؤمنين أنا على ما ترى، ولكن إذا كان في غد إن شاء اللَّه! فلما كان من الغد مضى إليها فقال لها: الوعد؟ فقالت يا أمير المؤمنين، أما علمت أن كلام الليل يمحوه النهار؟

وهذا ما حدث بالفعل مع الأمير ابن سلمان الذي قاد حلفًا ثلاثيًا مع هبوب رياح الربيع العربي لمواجهة الإسلاميين الإخوان، فكان بمواجهة معلنة مع تركيا وقطر والإخوان المسلمين، ثم يُفاجئنا بالأمس بالحديث عن علاقة أخوية تربط السعودية بتركيا! وعندما تذكر بلد ما فمن كل جد أنك تقصد قائدها في البداية، وهكذا بكل بساطة كلام الليل يمحوه كلام النهار عند ابن سلمان تركيا الخصم اللدود أصبحت الأخ الودود.

قبل أزمة خاشقجي، وقفت كل من تركيا والسعودية على طرفي نقيض في صراع الزعامات في المنطقة؛< ففي حين مثل نظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الداعم الرئيس لجماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتهم الإخوان المسلمين، كان محمد بن سلمان يجرُّ المملكة في تحالف ثلاثي مع أبوظبي والقاهرة لمحاربة الإسلام السياسي واجتثاثه تمامًا، كما قاد هذا الثلاثي حصارًا على قطر، الحليف الوثيق لأردوغان، وهي الخطوة التي رفضتها أنقرة تمامًا وسعت لمحاربتها بكل السبل بما في ذلك إرسال قوات عسكرية للدفاع عن قطر في بداية الأزمة.

مثلت أزمة خاشقجي فرصة سانحة لتركيا لتوجيه ضربة إلى “النقطة الأضعف” في التحالف الرباعي، ولي العهد السعودي الذي ما فتئ يتعرض لانتقادات بسبب حربه المدمرة في اليمن، وحصار قطار، وغير ذلك من السياسات العنيفة.

شكلت الإدارة الأمنية والإعلامية للأزمة، القائمة على تسريب تفاصيل عملية الاغتيال وكواليسها بشكل بطيء وتدريجي، وضمان توزيعها على أكبر قدر من الوسائل الإعلامية المحلية والأجنبية فلا تُختص بها وسيلة دون غيرها، كل ذلك ساهم بحسب صحيفة نيويورك تايمز في جذب أكبر قدر من الانتباه العالمي نحو السياسات المتهورة التي تتبعها المملكة تحت قيادة ابن سلمان.

لماذا كلام الليل يمحوه كلام النهار؟

لا تزال التهكنات حول سيناريو اغتيال خاشقجي مفتوحة، لا سيما في الجانب الذي يتعلق باختفاء الجثة، مما لا شك فيه أن ولي العهد هو صاحب الأمر في قضية الاغتيال الأفشل على وجه الأرض، فمنذ الأيام الأولى والأتراك يسربون الأخبار بإدارة حكيمة للضغط على المملكة من جهة، ولإشعار من قام بالاغتيال بأننا (أي الأتراك) ندرك تمامًا ما يجري، وهكذا دواليك، حتى اعترفت المملكة بمقتل جمال، وبدأت جوقتها الإعلامية التعيسة تفبرك تلك الروايات الساذجة.

في ليلة وضحاها اعترف السعوديون بالجريمة، وفي ليلة أخرى غزل لقطر واقتصادها، ثم حديث بكل صلافة عن أخوة بين تركيا والسعودية كأنظمة، فالامير الطموح يريد أن يقنعنا أن ما كان من ثلاثة أعوام تبدد كما تبددت آمال ابن الرشيد مع الجارية، وأن كلام الليل يمحوه كلام النهار.

ثمن الرعونة

منذ أن صعد ابن سلمان وبدأ بتقديم نفسه كخليفة لوالده وهو يتخبط في اختياراته وكما قال أحد الكُتاب يمارس الهبل السياسي، فشل مع قطر، هُزِم مع الحوثي في اليمن، وخسر أي وصال مع حماس، وفقد حليفه الحريري وزنه في لبنان لصالح حزب الله ومن معه، لا يصف حال ابن سلمان في هذا المقام إلا قوله تعالى: وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ.

قضية خاشقجي حسابات خاطئة

في كل يوم تتكشف فيه الحقائق أكثر يزداد حرج المملكة العربية السعودية بأميرها وملكها والجوقة التعيسة التي تُطبل لهما، بعدما لاحظنا حجم الخسائر التي حصدتها السعودية للتخلص من صحافي معارض نخلص إلى كم هائل من الحسابات الخاطئة التي وقع فيها مُخطط العملية، وعن لفظ الأخوة الذي يرمي إليه محمد ابن سلمان فلا نعلم أيضًا من أي قاموس استخرجه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد