من سمات التاريخ المميزة  أنه أشبه ما يكون بالبحر الهادر في مده وجزره وفي حركيته وتقلباته الفجائية التي لا يمكن التوقع بها، ففي طياته تتوارى أحداث تتحين الفرصة لتندلع  والظروف لتنفجر ولعل الربيع العربي خير مثال على ذلك،  فعلى حين غرة وبدون مقدمات سقط جدار الخوف والقمع وتحولت الميادين إلى فضاءات تدوي في جنباتها شعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، لتنتهي فصول المشهد الدرامي بتهاوي الأنظمة الاستبدادية أمام المد الثوري العارم.

بدأت بشائر الانعتاق من الاستبداد مع  تدشين الإصلاح السياسي بتعديل الدساتير، واحتدام الصراع السياسي بعد إجراء انتخابات تعددية مستقلة تمخض عنها وصول تيارات الإسلام السياسي إلى سدة الحكم لأول مرة، حدث لم يكن مفاجئًا بقدر التبعات والنتائج المترتبة عليه، خاصة تلك المرتبطة ببنية الخطاب السياسي وطبيعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة وطريقة إدارة المرحلة الانتقالية.

تقييم تجربة الإسلام السياسي في الحكم لا يمكن دراستها بنفس المعايير والمقاييس نظرًا لتوزع تياراته بين أقطار متباينة من حيث طبيعة النظم السياسية، واختلاف السياقات التي قادتها نحو السلطة إما عبر الانتفاضات الشعبية وإما عبر النهج السلمي، وبالتالي سيقتصر الحديث  عن الإسلام السياسي في تونس والمغرب فقط لعدة اعتبارات، منها طول مدة الحكم والنجاح النسبي في إدارة العملية الانتقالية في وقت انزلقت فيه أطراف أخرى إلى الصراع مع الدولة العميقة والمؤسسة العسكرية كتجربة الإخوان المسلمين في مصر المتسمة بفشلها الذريع وقصر مدتها، وتحول الصراع السياسي في كل من اليمن وليبيا إلى حروب أهلية دامية.

في تحولات الإسلام السياسي

في البدء لعله من الضروري الإشارة إلى توضيح مفهوم الإسلام السياسي والكشف عن مكوناته المشتملة على طيف واسع من التيارات والتنظيمات السياسية التي تتقاطع وتتفق في أن الإسلام ليس دينًا ونسق معتقدات فحسب، بل أيديولوجية متكاملة ونظامًا سياسيًّا ناجعًا، وفي المقابل تختلف في آليات الوصول إلى السلطة بين من يؤمن بنسق التداول السلمي للسلطة ومن يرى بأن العنف هو الوسيلة الأنجع لهندسة الدولة والمجتمع وفق مقاييسهم الفكرية.

غير أن هذا المفهوم عادة ارتبط بالاتجاه المعتدل الذي يقر بمبادئ الديمقراطية كالتعددية والمشاركة السياسية سبيلًا للوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات والتقيد بالقوانين الوضعية، وهي التي استطاعت تصدر المشهد السياسي بوصفها أحزابًا حاكمة لأول مرة حاملة شرعيتين، شرعية الصندوق وشرعية الشارع، بعد أن ظلت إلى حدود الوقت القريب إما محظورة وإما مغضوب عليها، وصلت هذه التيارات السياسية إلى السلطة في فترة حالكة مثقلة بتركة أعباء لا قِبل لها بها ولا دراية لها في كيفية التعامل معها، فبين قيادة عملية الانتقال الديمقراطي وإعادة فرض الاستقرار الاجتماعي وإنعاش الاقتصاد المتهالك سرعان ما ظهر جليًّا محدودية برامجها الانتخابية وعدم واقعيتها وعجزها عن قراءة الواقع السياسي والاقتصادي والدولي والإقليمي المضطرب.

لقد تصور قادة تيارات الإسلام السياسي أن خطابهم السياسي المبني على سرديات العصر الذهبي مثل الهوية الإسلامية والأمة والخلافة والحاكمية ومرجعية الشريعة كفيل بضمان الوصول إلى السلطة، والسيطرة على مقاليد الحكم وزيادة رصيد الشعبية متناسين أن للحكم التزامات وواجبات في شقها الاجتماعي، وهي نفسها من فجرت الظروف لاندلاع تلك الهبات الشعبية ضد الأنظمة السلطوية، ومع انجلاء نشوة الانتصارات الانتخابية بدأت تظهر نقائص ومحدودية تصورات الإسلامويين لحل المعضلات الاجتماعية والاقتصادية من تدهور للأوضاع المعيشية واستفحال البطالة وتنامي الفقر وتزايد للمديونية وركود الاقتصاد وتغول الفساد والبيروقراطية.

وجدت أحزاب التيار الإسلامي الحاكمة نفسها في سياق مضطرب حتم عليها تهدئة غليان الشارع المطالب بضرورة حلحلة الأوضاع المعيشية ووضع الاقتصاد على سكة النمو وجني مكاسب الثورة، والصراع مع القوى السياسية الأخرى حول مواقع السلطة ومجابهة الضغوط الإقليمية والدولية المرتابة للإسلام السياسي، كلها عوامل فاقمت من أزمات هذه التجربة بل قوضت شرعيتهم وهي ذات الوضعية التي تقاطعت فيها جل أحزاب هذا التيار وإن تمايزت في طبيعة التعامل معها، ففي مصر منيت تجربة الإخوان المسلمين بالفشل الذريع بعد انقلاب عسكري أزاحهم عن السلطة مدعوم بتحالف القوى المدنية وبقايا النظام السابق وشبكة المصالح الإقليمية، بينما كاد حزب النهضة التونسي أن يكابد ذات المصير لولا برجماتية قادته مستفيدًا من أخطاء نظرائهم المصريين.

تجربة النهضة التونسية هي مثال معبر عن قدرة التيار الإسلامي على اللعب على حبال المتناقضات، ففي بلد بتقاليد مدنية راسخة ومجتمع مدني بميول حداثية لم يجد إسلاميو النهضة بقيادة الغنوشي في خضم انهيار حكم الإخوان بدا من تغير خطابهم حول الهوية ومواقفهم من قضايا حقوق الإنسان ومرجعية الشرعية بالنزوع نحو تبني قيم ليبرالية غربية، لإبعاد شبهة الأصولية والظلامية ودعم التطرف التي باتت تلاحقهم مبدين مرونة أكثر بتخليهم عن السلطة تحت ضغط احتجاجات شعبية ناقمة على أدائهم السياسي في الحكم وفشلهم في إداراة المرحلة الانتقالية.

تخوف إسلاميي النهضة من إعادة تكرار كارثة الإخوان المسلمين شكل هاجسًا دفعهم لإعادة نظر في توجهاتهم الأديولوجية إلى حد أن الغنوشي في خرجاته الإعلامية نفى صفة الإسلامية عن حزبه مبررًا ذلك بأن واقعية السلطة تحتم التخلي عن الطابع الدعوي والحركي لصالح الواقعية السياسية والقبول بالقيم العلمانية والليبرالية، حيث تجسدت أكثر مع مشاركتهم في صياغة دستور يعتبر الأكثر علمانية في العالم العربي يحمي حرية الضمير والاعتقاد، وموافقتهم على تجنب إدراج أي تضمين لمبادئ الشريعة الإسلامية.

أما في الحالة المغربية غلب حزب العدالة والتنمية الإسلامي خطاب الإصلاح التدريجي من داخل الحكم وتقديم التنازلات وتجنب الصدام مع القوى والنخب الحاكمة وعلى رأسها المؤسسة الملكية وهو ما جعلها تنجو من محاولتين لإجهاض تجربتها الحكومية بدأت مع أزمة خروج حزب الاستقلال من الائتلاف الحكومي خلال الولاية الأولى ثم أزمة فشل تشكيل الائتلاف الحكومي في الولاية الثانية، والتي قادت إلى عزل الأمين العام لحزب العدالة والتنمية بنكيران وتكليف سعد الدين العثماني بدلًا عنه لتشكيل ائتلاف حكومي جديد بعد تعطل دام عدة أشهر متوالية.

ولاستمالة النخب المالية المحلية والرأسمال الأجنبي ونيل رضا المؤسسات المالية جر تبني خطاب ليبرالي جديد في شقه الاقتصادي والاجتماعي مبني على إغداق الامتيازات والمنح الضريبية والمالية في مقابل سن تدابير تقشفية أكثر صرامة في الانفاق العام، سياسات اقتصادية دفعت مديرة صندوق النقد لوصف حكومة بنكيران الإسلامية بالتلميذ المنضبط والمجتهد، بعد طلاقها الرسمي مع مبادئ العدالة الاجتماعية والحق في الثروة الوطنية والعيش الكريم.

ما بعد الإسلام السياسي

لقد كشف تعامل الإسلام السياسي مع تداعيات الربيع العربي وطريقة إدارتها للمرحلة الانتقالية باعتبارها قوى حاكمة، عن هوية هلامية تتماهى مع السياقات والظروف السياسية والاقتصادية، وبرجماتية سياسية تغلب مصالح على المبادئ والمواقف على الثوابث في قطيعة مع خطاباتها السابقة، فبعد مضي قرابة 7 سنوات على الربيع العربي وانقلابه إلى خريف دام بانحصار المد الثوري أمام قوى الثورة المضادة وإجهاض مسار الانتقال الديمقراطي وعودة شبح السلطوية بنسخة أكثر توحشًا في مصر وانهيار بلدان أخرى جراء حروب أهلية طاحنة في اليمن وسوريا وليبيا، يقف تيار الإسلام السياسي في شقه المعتدل أمام تحديات وجودية.

تجارب حزبي النهضة والعدالة والتنمية في الحكم أبانت عن تحولات جذرية عميقة، تشكل قطيعة مع هويتها الأيديولوجية، تبعد عنهما سمت تيار الإسلام السياسي وتدفع به نحو العلمنة وفق نمط الأحزاب المسيحية المحافظة في الغرب بخطاب جديد يؤكد على الالتزام بمنظومة القيم الديمقراطية وتوسيع فضاء الحريات العامة والسعي لبلورة أيديولوجية تتعايش فيها قيم الأصالة مع مبادئ الحداثة، ملغيًا بشكل نهائي خطابات الماضي القريب حول بناء مشروع الدولة الإسلامية، أما في الشق الاجتماعي والاقتصادي  فكان انحيازها  للنيوليبرالية سافرًا مكرسًا الأزمات الاجتماعية ومعمقًا التبعية الاقتصادية للمؤسسات المالية والشركات المتعددة الجنسية.

  تدابير تحمل في طياتها بذور تقويض شرعيتهم وتعميق التباعد بين تنظيماتهم وقواعدهم الجماهيرية، تجسدت في تنامي الاستياء والسخط الجماهيري من ضعف حصيلتهم الحكومية وفشلهم في إنهاء الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، كلها وقائع تتبث أن فقاعة مشروع الإسلام السياسي انفجرت بعد خفوت رمزيتها الثورية بوقوفه ضد إرادة الجماهير، ولاستنفاذ الحمولة الدينية مع انسلاخها عن هويته الأيديولوجية وحالهم يشبه حال ذلك الغراب الذي أراد أن يقلد مشية الحمامة فلم ينجح في ذلك ولم يعد يعرف حتى طريقة مشيه القديمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد