لم يبق الكثير على الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها يوم 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019 لاختيار رئيس جديد للجزائر، وهذا طبعًا أمام جدل كبير حول خلق ثلاثة أقطاب رئيسة في الوقت الراهن، واحد مع الانتخابات، والآخر ضد الانتخابات، وكتلة صامتة لم تحسم، أو بالأحرى لم تعبر عن رأيها بشكل واضح تجاه الانتخابات الرئاسية.

من جهة أخرى يبرر الرافضون للانتخابات الرئاسية بأنها انتخابات تفتقد لشروط النزاهة والشفافية، وأنها تمثل إعادة هيكلة وتدوير نفس الوجوه من النظام السياسي السابق، وبالتالي ليست بالتجربة التي يمكن أن تحقق التغير الذي خرج من أجله الشعب الجزائري في 22 فبراير (شباط).

في حين يعتبر المؤيدون للانتخابات الرئاسية بأن الانتخابات فرصة للتغير ويمكن مرافقة المرحلة القادمة من خلال تفعيل آليات جديدة، ألا وهي خلق أحزاب سياسية جديدة، وإعطاء فرصة للوقوف ضد أي محاولة لضرب استقرار الجزائر، وبالتالي يتجه هذا الطرح بقوة.

وهنا يمكن استحضار التجربة البلغارية في عملية التحول الديمقراطي سنة 1989 حيث عرفت أوروبا الشرقية مع الاتحاد السوفيتي تغيرات سياسية تعرف بموجة التحول الديمقراطي القائمة على الانتقال من النظام الشيوعي إلى نظام الديمقراطي، ودخلت كل الدول في أوروبا الشرقية في هذا المسار ما عدا يوغسلافيا، والتي عرفت منحى آخر دمويًا، إلا أن بلغاريا عرفت استثناءً من نوع آخر، ألا وهو أن بلغاريا قامت بالتغير الديمقراطي، والذي يقوم على التحول في النظام السياسي أين انتقلت إلى نظام ديمقراطي من البنية، لكن من حيث آليات العمل، فبقيت بلغاريا محافظة على نفس الآليات حيث أبقت على الحزب الاشتراكي البلغاري، والإبقاء على النظام المركزي في التسيير، وقامت بإقالة بعض القضاة الموالين للشيوعية، وهذا لم يحرر القضاء من الفساد والتبعية والرشوة، وبالتالي نتائج التغير لم تظهر مقارنة ببولونيا وتشكوسلوفاكيا والمجر وبدأت أرقام التضخم تظهر، والتخلف الاقتصادي والفساد يستمر، حيث عرفت بلغاريا ارتفاعًا في مستويا الفساد والضعف الاقتصادي ما بين 1996 -1997؛ مما أدى إلى بروز مظاهرات شعبية تطالب بالتغير، خاصة أن الدول المجاورة بدأت تنخرط في مسارات الاندماج الأوروبي، وهنا بدأ التغير الحقيقي بدافعية الخارج أي مسارات الاندماج الأوروبي، وأيضًا المطالب الداخلية، والتي تريد تحقيق تغير حقيقي بعيدًا عن الصورية، وهو ما تم فعلًا في سنة 1997 أين بدأت عمليات التغير السياسي وبناء مؤسسات فعلية، وأحزاب سياسية تساهم في التغير السياسي.

من خلال ما سبق هل الجزائر تعيد التجربة البلغارية من حيث المسارات أي أننا نحتاج إلى مرحلة انتقالية برئيس، حيث ينسحب الجيش من المشهد السياسي ويبقي على مرافقته للتغير السياسي الذي يحتاج إلى المزيد من الوقت لبناء مؤسسات سياسية ضمن متطلبات اقتصادية وتحديات إقليمية ودولية والأهم تراجع الرصيد من الاحتياطي المالي للدولة وإعادة بناء أسس المجتمع المدني بما يتماشى مع متطلبات المرحلة القادمة، والتي يجب أن تقوم على عناصر عديدة أهمها:

– وضع قواعد العمل السياسي المشترك.

– الابتعاد عن سياسة الإقصاء السياسي بين جميع الأطراف.

– تفعيل القضاء كجهاز مستقل لضمان التوازنات بين السلطة التنفيذية والتشريعية والأحزاب السياسية.

– وضع قنوات للحوار الجاد والفعال.

– فتح ورشات للإصلاح السياسي وعدم التسرع في عمليات التغيير، والتي يجب أن تكون مدروسة وبعقلانية.

من خلال هذه العناصر يمكن القول إن عملية التغير قد تتطلب بعض الوقت لأن المؤشرات الحالية تظهر أن الوضع الحالي قد يمدد من عمر النظام السابق من الآليات والسياسات، ولكن في نفس الوقت قد يحقق التغيير الذي يقوم على الوعي الجماعي ومتطلبات البيئة الإقليمية والدولية لتحقيق الانتقال الديمقراطي والتحول السياسي الهادئ والسلس للمرور بالبلاد بأمان لمنطقة الاستقرار والتنمية والازدهار.

ولهذا علينا أخذ العبرة من التجربة البلغارية التي أبقت على السياسات وحافظت على الميكانيزمات النظام السابق وعملت على تغير الشكل، بل يجب أن ندرك لا محالة بأن التغير سيقع مهما طال الزمن، ولهذا يجب إدراك هذه الوضعية والتعامل معها بعقلانية وسلمية وترك علب التفكير لتحقيق ذلك التغير المنشود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد