ولد إدوارد لورينز في ولاية كونيتكت بالولايات المتحدة الأمريكية، درس الرياضيات بهارفارد وكامبريدج وقام بالعديد من الدراسات في العلاقات الخطية وغير الخطية في التنبؤات بالأحوال الجوية.

مصطلح أثر الفراشة في النظريات الفيزيائية والفلسفية تعتبر من أُسس نظرية العشوائية الديناميكية، ويشير هذا المصطلح في الأساس إلى أن الفروق الصغيرة في الحالة الأولى لنظام متحرك – ديناميكي – قد ينتج عنها في المدى البعيد فروقات كبيرة في تصرفات وسلوكيات هذا النظام، وقد تم شرحها وتسميتها بأثر الفراشة أو تأثير الفراشة؛ لأنه كما قال إدوارد لورينز مستمد من المثال المجازي لتفاصيل الإعصار بأن الوقت المحدد لتشكيل إعصار أو المسار المحدد الذي اتخذه هذا الإعصار قد تأثر باضطرابات في الحالة البدائية لنشأة هذا الإعصار مثلًا أن ترفرف فراشة بأجنحتها.

على الرغم من أن لورنز أعطى اسما لهذه الظاهرة، فكرة أن الأسباب الصغيرة قد يكون لها آثار كبيرة بشكل عام وفي الطقس على وجه التحديد كان معترف بها في وقت سابق من قبل عالم الرياضيات الفرنسي والمهندس هنري بوينكري وعالم الرياضيات والفيلسوف الأمريكي نوربرت فيينر. وتم توضيح هذه النظرية في فيلم (The Butterfly Effect) بطولة أشتون كوتشر وإمي سمارت، ولكن تم توضيحها من بُعد إنساني فقط، وهو كيف أن موقفًا مهمًا كان صغيرًا يؤثر على مستقبل الشخص، كيف أن كلمة بسيطة تجعل من الشخص، إما متنمرًا، أو مسامحًا كريمًا.

فكل حدث في هذه الحياة التي نعيشها هي نتاج فعل وقع في الماضي، وحتى لو كان هذا الفعل شيئًا صغيرًا لا يحسب فإن نتاج هذا الفعل قد يؤثر على حياتنا جميعًا من دون أن نشعر.

من الأمثلة على ذلك الحرب العالمية الأولى التي بدأت في عام 1914 بسبب أزمة ديبلوماسية بين الإمبراطورية النمساوية المجرية ومملكة صربيا بعد أن تم اغتيال ولي عهد النمسا الأرشيدوق فرانز فرديناند من قبل طالب صربي في سراييفو بعد ذلك أعلنت الإمبراطورية النمساوية المجرية الحرب على مملكة صربيا، وبالفعل غزت الإمبراطورية النمساوية المجرية مملكة صربيا؛ مما أدى إلى أن تحشد الإمبراطورية الروسية قواتها، وغزت الإمبراطورية الألمانية لوكسمبورج وبلجيكا ومن ثَم فرنسا؛ مما أدى إلى إعلان المملكة المتحدة الحرب على الإمبراطورية الألمانية.. انضمت الدولة العثمانية إلى الحرب عام 1914.

بعد أن وضعت الحرب أوزارها لم يعد للإمبراطوريات الثلاثة وجود الإمبراطورية الألمانية، الإمبراطورية الروسية، الإمبراطورية النمساوية المجرية، إضافةً إلى نهاية الدولة العثمانية. ومن نتائج هذه الحرب: الاتحاد السوفييتي، صعود الفاشية الألمانية للحكم، وعد بلفور.

ولكي نكمل تحليلنا دعونا نتخيل سويًا سبب قيام الاتحاد السوفييتي وهي تبعات ثورة فبراير عام 1917 والثورة البلشفية والتي أدت إلى إسقاط حكم الإمبراطورية الروسية، وقيام الاتحاد السوفييتي بناء على أفكار كارل ماركس والشيوعية، وتعد الثورة البلشفية أول ثورة شيوعية في القرن العشرين الميلادي. أسباب قيام الثورة البلشفية هي سياسات الحكومة الروسية المؤقتة قد دفعت البلاد إلى حافة الكارثة. اضطرابات في الصناعة والنقل، وازدادت الصعوبات في الحصول على أحكام، وانخفض إجمالي الإنتاج الصناعي في عام 1917 بنسبة تزيد على 36 في المئة عما كان عليه في العام 1916. في الخريف، ما يصل إلى 50% من جميع الشركات تم إغلاقها في جبال الأورال، ودونباس، والمراكز الصناعية الأخرى؛ مما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة. وفي الوقت نفسه ارتفعت تكاليف المعيشة بشكل حاد. وتراجعت الأجور الحقيقية للعمال نحو 50% عما كانت عليه في عام 1913. وكانت ديون روسيا في أكتوبر (تشرين الأول) 1917 ارتفعت إلى 50 مليار روبل. هذا وتشكل الديون المستحقة للحكومات الأجنبية أكثر من 11 مليار روبل. كان البلد يواجه خطر الإفلاس.

صعود الفاشية الألمانية للحكم هي نتاج معاهدة فرساي بعد الحرب فرض مؤتمر باريس للسلام سلسلة من معاهدات السلام بين دول المركز حتى تُنهي الحرب بشكل رسمي. حينما وافقت ألمانيا على توقيع الهدنة في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 1918 كان على أساس مبادئ ويلسون الأربعة عشر واعتقدت ألمانيا حينها أن القرارات التي ستصدر في مؤتمر السلام ستكون على أساس هذه المبادئ، ولكن هذا لم يحصل مطلقًا.

وكان أول اجتماع لعصبة الأمم في 28 يونيو (حزيران) 1919. أجبرت ألمانيا على الرغم من الاحتجاجات الشديدة لها إلى أن تعترف بالذنب لبدئها الحرب في عام 1914، وبالتالي فهي مسؤولة عن التعويضات الضخمة التي عليها أن تقوم بتعويضها لدول الحلفاء المتضررة والمواطنين بسبب العدوان الألماني.

أصبح هذا الشرط لاحقًا عند الألمان بأنه شرط ذنب الحرب. لقد شعرت الغالبية العظمى من الألمان بالمهانة والاستياء حول هذه النقطة، وبعد ذلك أصبحت هذه النقطة قضية النازيين أثناء حملتهم الكبرى في عقد 1920. لقد شعر الألمان أنه تم التعامل معهم ظلمًا بسبب ما أسموه بأوامر فرساي التي تلقوها. يقول الكاتب الألماني المنتمي للحزب النازي ويليبالاد شولز: إن المعاهدة وضعت ألمانيا في ظل العقوبات القانونية محرومة من القوة العسكرية ودمِّرت اقتصاديًا وأُذلَّت سياسيًا. مع أن ألمانيا غابت عن مؤتمر الصلح، إلا أنه فُرضت معاهدة فرساي فرضًا على الجمهورية الألمانية الجديدة، وهذا أعطى للزعامات الألمانية فيما بعد الفرصة للتنصل من معاهدة لم يكن لهم رأي في إعدادها.

وعد بلفور أيضًا هو نتاج للحرب العالمية الأولى كانت بريطانيا في ذلك الوقت على وعيٍ بحركة اليقظة العربية في بلاد الشام ضد الحكم العثماني، فعملت على الاستفادة منها بقطعها الوعود الزائفة لزعماء الحركة العربية، وكان اتجاه بريطانيا نحو الحركة العربية عاملًا قويًا في تركيز الجهود الصهيونية نحو بريطانيا؛ لأن فلسطين امتداد طبيعي لمصر التي كانت خاضعة للنفوذ البريطاني آنذاك، وبسبب التقاء الأهداف الصهيونية مع الإستراتيجية البريطانية في المنطقة العربية. بعد أن خسرت الدولة العثمانية أمام المملكة المتحدة في عدة معارك منها (معركة بئر السبع) – (معركة القدس) التي بسببها انتهى سيادة الدولة العثمانية على القدس و(معركة شرق الأردن الأولى والثانية والثالثة) انتهى أمر الشام إلى سيادة المملكة المتحدة الذي أدى إلى أن يقدم بلفور وعده المشهور إلى المنظمة الصهيونية يقول فيها:

عزيزي اللورد روتشيلد
«يسرني جدًا أن أُبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالة الملك التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود الصهيونية وقد عُرِضَ على الوزارة وأقرَّته:
إنَّ حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يُفهم جليًا أنه لن يُؤتى بعمل من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا بالحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلاد الأخرى».
«وسأكون شاكرًا لو تكرمتم بإحاطة الإتحاد الصهيوني علمًا بهذا التصريح».
المخلص أرثر جيمس بلفور

ومن هنا تمحور الصراع العربي الإسرائيلي، بسبب هذا الوعد الذي تم اتخاذه بعد أن تيقنت بريطانيا أنها انتصرت في الحرب العالمية الأولى، وأصبح الصراع العربي الاسرائيلي جزءً لا يتجزأ من التاريخ الذي امتد إلى ما يقرب من المائة عام. ولكن ماذا لو لم تقم هذه الحرب من أساسه، ماذا لو لم يغتل الأرشدوق؟ ماذا لو لم توقع ألمانيا على تلك المعاهدة؟ كيف كان سيكون العالم؟ ماذا لو لم تقم الثورة البلشفية في روسيا؟ ماذا لو لم يكتب كارل ماركس كتابه الشهير؟ هل كان سيولد الاتحاد السوفييتي؟ فإن تغيير بسيط في التاريخ قد يؤدي إلى عالم غير الذي نعيش فيه الآن لو لم تقم الحرب العالمية الأولى، أو لو أن دول المركز هي من فازت بالحرب؟ كيف كان سيكون عالمنا؟ كذلك في حياتنا الشخصية، الطريق الذي سرناه أدى إلى وجودنا هنا في هذه اللحظة، ولكن كيف كان سيتغير كل شيء؛ إذ لم نذهب إلى المدرسة الفلانية، ولكن ذهبنا إلى مدرسة أخرى هل أنت هو أنت؟ أم أنك نتاج صدف تم اختيارها عن طريق أشخاص آخرين؟ كأننا نعيش في قاعدة (if) البرمجية، لو أن الشرط كذا، وكذا تحقق؛ ينتج عنه شخصية كذا. لو أن الشرط كذا تحقق، وكذا لم يتحقق؛ يتغير الخرج إلى شيء آخر. وهكذا طوال حياتك، كأننا عبارة عن قطع دومينو يتأثر كل منا بالآخر، ولكن ما مدى تأثيرك أنت للآخرين؟ وما مدى تأثرك؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد