أي شعبٍ لا يؤمن عن عقيدة راسخة ومتجذرة تجده يتخبط في حياته ولا يستطيع الاستقرار، فالإيمان هو أساس انبعاث المبدأ، وهو المحرك والدافع نحو العمل، وليس بالضرورة أن يكون الإيمان مقتصرًا على التوحيد، بل يمكن أن يكون في حب الوطن، والحرية، والوحدة، والوقوف مع الحق، ومحاربة الباطل، وغيرها الكثير من المعتقدات التي تتبلور في عقول الشعوب لتتحول إلى مبادئ تقودهم إلى العمل الصحيح وتطوير أنفسهم والنهوض بواقعهم، وفي القرآن يعطينا الله مثلًا عن بني إسرائيل بعدما تجاوزوا عبودية آل فرعون ونجو منهم بقيادة موسى عليه السلام، وكيف أنهم لم يستطيعوا تجاوز فشلهم في المراحل السابقة؛ وذلك بسبب ضعف إيمانهم، والذي كان متباينًا بين طبقاتهم الاجتماعية.

المقطع الأول

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِين) في هذه الآية الكريمة يبين الله أول مراتب ضعف الإيمان لدى بني إسرائيل في تلك الحقبة، حيث إنهم كانوا بحاجة إلى ملك لقيادتهم بديلًا عن قيادة الأنبياء؛ كون الملك يمتلك الروحية والقدرة على تحقيق النصر العسكري والميداني، ولكن وبعد أن تمت تسمية الملك لهم وجاءهم الأمر بالقتال لم يشاركوا، رغم أنهم مؤمنون بأن القتال هو في سبيل عقيدة، وفكرة صائبة، ومبدأ صحيح؛ كونهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم، ولم يلتزم منهم إلا القليل.

المقطع الثاني

(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) وهنا يظهر ضعف الإيمان والنفاق ومحاولة استخدام الحق وكلماته في تحقيق مآربهم الشخصية، إذ ظهرت نواياهم حينما سمي الملك، فاعترضوا على حكم الله وطالبوا بالملك لأنفسهم، فليست المسألة كما طرحوها بأنهم يريدون ملكًا للقتال معه في سبيل المبدأ والعقيدة، بل كانوا يطمعون بالسيادة والحكم والتربع على كرسي الدولة والوصول إلى قمة الهرم، ومن أجل أن لا يتهموا نبيهم بالتحيز أو الكذب فقد جعل الله لملك طالوت آية بينة تثبت توليه المنصب من الله عز وجل.

المقطع الثالث

(فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) ذكرنا في المقطع الأول أن من ثبت على إيمانه، ولم يتراجع عن فكرة القتال في سبيل استرداد الحقوق كانوا قلة، وبعدما تبين أيضًا ضعف إيمانهم وجدالهم لنبيهم واعتراضهم لأوامره، نجد في هذه الآية المباركة الشكل الثالث من ضعف الإيمان، حيث من القلة التي توجهت نحو أرض المعركة، ومع أول اختبار لهم في الميدان فشلوا، إلا قليلًا من تلك القلة في تجاوز الاختبار، وما يزيد الأمر حيرة أن من وصل إلى هذه المرحلة، ولم يفقد إيمانه في المراحل السابقة نجده يفقده عندما وقعت عينه على جيش جالوت العدو، معلنًا الهزيمة قبيل المعركة كنتيجة حتمية واقعة لا محالة، ليتبخر إيمانهم أمام مشهد الجيش الكبير وخطر جالوت المتمرس على الحرب، ولم تبق من كل تلك الفئات القليلة إلا مجموعة هي من حققت النصر لأنهم لم يتخلوا عن إيمانهم بما هم يعتقدون به، محتجين بما مر به غيرهم من أصحاب المواقف الإيمانية، حيث (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ)، فقلةُ قلةِ القلةِ هم من صنع النصر وهزموا جيش الأعداء، وانبرى داود عليه السلام ليصرع جالوت العملاق، ذلك الجندي الصغير ذو الإيمان الكبير، لتكون ضربته هي الضربة القاصمة والحاسمة، والتي قذفت في إيمان وعقيدة جيشه الرعب لينهزموا أمام قليلي العدد كثيري الإيمان.

فعلى شبابنا أن يضع لنفسه ثوابت يعتقد بها ويؤمن بأنها سبيله نحو الصلاح، وعليها يعقد نواياه، ويعمل بها كوقود يدفع به نحو تحقيق مراده في هذه الحياة، فانظر إلى شعوب العالم وتجاربها ستجدهم نجحوا؛ لأنهم يعتقدون أنهم قادرون على تغيير الواقع، وآمنوا بقدراتهم وعملوا عليها؛ حتى حققوا مرادهم، فليس الموضوع مرتبط بالإيمان بالله فقط، وإن كان هو أفضل الإيمان والاعتقاد به هو أفضل الاعتقادات، ولكن أمام عينيك الصين ذات الأكثرية البوذية التي تحولت من بلد مريض محتل ومتفكك إلى بلد عملاق يفرض سيطرته على العالم، وهم لم يحققوا ذلك إلا حينما غيروا توجهاتهم وإيمانهم واعتقاداتهم من كلام وحبر على ورق إلى تطبيق فعلي، فبوذا لم يتغير وتعاليمه لم يطرأ عليها أي تعديل، ولكنهم هم من تغير وتعلم الدرس، وعلى شبابنا أن يتغيروا أيضًا ويتعلموا الدرس، وأن يكونوا من القلة التي ستحقق الانتصار على أرباب الفساد بالعقيدة الصادقة والإيمان القوي والفعل الصائب والمواقف الصلبة.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد