يبدو أننا نسير في دوامة محكمة الإغلاق تصفوية الأهداف تشن حربها الضروس ضد أبناء الخيمة على مدى تاريخ نكبتهم فالواقع صورة ربما طبق الأصل عن الماضي وامتداد ربما للمستقبل، فمشهد المخيمات الفلسطينية في سورية والتي تعتبر اليوم من أشد المشاهد مأساوية ودموية لهي خير دليل وشاهد على هذا المسلسل التصفوي الممنهج فلو أمعننا بنظرة خاطفة سريعة على حال المخيمات الفلسطينية في سورية وما وصل إليه الحال من قصف همجي بشتى أنواع الطائرات الوطنية والأجنبية والتجويع المحكم ضد أيناء شعبنا من قبل مليشيات النظام وحلفائه ومن قبل جماعات تكفيرية لها نفس الهدف التصفوي إضافة إلى مسلسل الاعتقالات التعسفية من قبل مليشيات النظام والتي بلغ عددها أضعاف الاعتقالات من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي الأمر الذي ضاق بالخيمة وأبنائها ذرعا فأجبرهم من جديد نحو رحيل جديد إلى منافي جديدة وصلها كثيرون ومات على طريقها آخرون.

هذه الحالة الفلسطينية المتشظية بالعموم والفلسطينية-السورية خصوصا ربما لها أسباب بعيدة أيضا لم تؤخذ في الحسبان فالتهافت العظيم للتنظيمات الفلسطينية الذي وصلت إليه بعد قرابة خمسين عاما على انطلاقتها بعد أن انطلقت أغلبها من صفيح الخيمة وأزقتها رافعة شعارات الثأر والتحرير والعودة وكامل التراب الوطني الفلسطيني من المية للمية سرعان ما انقلبت على نفسها وعلى برامجها وأنظمتها الداخلية في غضون عقد ونيف من انطلاقتها حين بدأت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية متمثلة بفتح وإطلاق برنامج المرحلة الذي روجت له الجبهة الديمقراطية في السبعينيات وتم تبنيه لاحقا ليصبح برنامج المنظمة بأكملها.

في هذه الحركة اللولبية شطبت التنظيمات أكثر من نصف مساحة فلسطين رضوخا للشرعية الدولية المتمثلة بالقرارين 242 و338 من أجل تسويق فكرة حل الدولتين الذي كان أول اعتراف ضمني من الفصائل بوجود إسرائيل وأحقيتها في باقي الأرض المحتلة وهنا أستشهد بما ذكره المؤرخ الإسرائيلي اليساري إيلان بابيه معلقا على فكرة حل الدولتين: «تسمية النكبة كما اوسلو، وكما حل الدولتين لشعبين، فهم جميعا يضرون بالشعب الفلسطيني، فحل الدولتين أتى ليكرس الاحتلال وليس بهدف إنهائه، واتفاقية أوسلو – مع ان الفلسطينيين يرحبون بها دائما – فهي كما أرى فخ صهيوني وقع به الفلسطينيون، شخصيا أتعجب كثيرا عندما أناقش فلسطينيين وأراهم يدافعون عن اوسلو وعن حل الدولتين ويقولون إنه عادل وحقيقي ومنطقي، فهو بالأساس ليس عادلا، وليس حقيقيا وليس منطقيا، فأنا اقول لهؤلاء أرجوكم، قولوا لي هذا أكثر ما نستطيع التوصل اليه، قولوا إنه وفقا لتوازن القوى بيننا وبين إسرائيل فإن هذا ما نجحنا به، لكن لا تقولوا إنه عادل ومنطقي. تخيلوا ما إذا أقيمت في جنوب إفريقيا دولتين واحدة للسود وأخرى للبيض… ألم يكن ذلك سيكرس من الأبارتهايد؟».

إذا كان هذا كلام أحد المؤرخين الإسرائيليين فلماذا تصر قيادة منظمة التحرير وباقي الفصائل على هذه الفكرة اللعينة أليس ذلك إجحاف بحقنا كفلسطينيين أن تبقى هذه القيادات تتحكم بقرارات الشعب ومصالحه وتثقل كاهله بالتسويات والتنازلات المرة، لكن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها لم تتوقف عند فكرة حل الدولتين بل تعدى ذلك إلى ماهو أكثر مسخا وتشويها لجسد فلسطين حين أقدمت قيادة المنظمة بترحيب من باقي الفصائل على توقيع وإبرام صفقة أوسلو التي أكلت من أراضي 67 أكبر قدر ممكن وقسمت باقي المناطق ذات الحكم الذاتي إلى مناطق ألف وباء وجيم تفصلها حواجز ودوريات ومستوطنات وتصريحات تعيق حركة الفلسطيني وتمزق وجوده أكثر فأكثر.

إلى أبعد من ذلك تم استبدال كثير من المسميات المبدئية في حياة الثورة الفلسطينية أو تهميشها لدرجة الإقصاء مثل المجلس الوطني ودائرة اللاجئين التي أصبح اسمها دائرة المغتربين الأمر الذي أوصلنا إلى تهميش كامل لأبناء المخيمات الفلسطينية واستبعادهم عن القرار الفلسطيني.

فبعد أوسلو وسلطتها دخل الهم إلى عقر الخيمة الفلسطينية وتسلل اليأس إلى نفوس اللاجئيين منتظرين بفارغ صبرهم وتجاعيد نكبتهم خروج العنقاء من رماد حرائقهم في الأزقة ولكن لا أسطورة في زماننا هذا، إلى أن أصبحوا كالقش في مهب الريح تتقاذفهم النكبة تلو الأخرى والنكسة تلو النكسة بين أجندات إقليمية يحاول بعض المنتفعين والمرتزقة استغلال يأسهم والتحكم بمصيرهم خدمة لأنظمة ومحسوبيات لا علاقة لها بالهم الفلسطيني ولم تكن صديقة لثورته في يوم من الأيام.

هذه الثلة من المافيات التي تشعبت داخل أزقة المخيمات غدت عبارة عن أخطبوط يلتهم الخطوط الحمراء التي لا زال أبناء المخيم يحفظونها عن ظهر قلب فتارة يروجون لقيادة أوسلو وأنها الثابتة على الثوابت وتارة يروجون لسياسات عربية ودولية هدفها إسكات المخيم بواسطة المال او بواسطة جر المخيم إلى حروب لا تخدم مصلحته وهمه المرتبط حتمًا بهموم الشعوب العربية المحتلة من أنظمتها فانهالت الضربات والصواعق من جديد على كاهل المخيم في ظل صمت مطبق على فم الفصائل الفلسطينية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي رأت من مصلحة بقائها ونعيمها السلطوي هو إخراس المخيم بأي شكل من الأشكال لأنه الصوت الوحيد الشاهد على صناعة كراسيهم ووزاراتهم ولأنه الشاهد الأوحد على عجزهم.

لكأن السائر بين أزقة المخيمات الفلسطينية في سورية ولبنان يسمع هسيس نيرانها الخافت المشتعل ببطء وبحذر وينصت جيدا إلى تمتمات الجدران المتكئة على الانتظار يسمع نشيدا وتراتيل وحزنا وتجاعيد لدمعة وقفت على وجنتي سيدة في العقد السابع من عمرها وفي عينها سورة المخيم، وآية البداية ومصحف الثورة وكأنها تقول للمارين في هذا التكوين الأزلي: هنا المخيم أول الطلقات.

ولكن الوضع الفلسطيني في سورية اليوم أزاح عن الشاشة أقنعة وعرى المشهد أكثر، فالقوى التي روجت لحل الدولتين والمقيمة اليوم في مقاطعة رام الله أصبحت صديقة لعدو الأمس المتمثل بنظام الأسد وحلفائه فكأنما اتفق الأصدقاء على هذا المشهد التصفوي لأبناء الخيمة، يبقى السؤال مطروحا عن مصير فلسطينيي المخيمات بين نار الطغيان وحل الدولتين؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد