منذ قليل أعلن الرئيس دونالد ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، والذي كان متوقعًا، على الرغم من محاولات الحلفاء الأوروبيين، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل، وردود الأفعال الأولية كانت من بنيامين نتانياهو، رئيس وزراء إسرائيل، والذي رحب بهذا القرار، فقد قام بالكشف عن ملفات استخباراتية تثبت من وجهة نظره استمرار إيران في برنامج بناء سلاح نووي، والتي أكد خبراء الاستخبارات وعلى رأسهم داني ياتوم، رئيس جهاز الموساد السابق، أنها تعود إلى عام 2014، وذلك قبل توقيع الاتفاق المتعدد الأطراف مع إيران في عام 2015، ومن طهران خرج الرئيس الإيراني حسن روحاني وأعلن «أن هذا القرار يؤكد أن تاريخ بلاده يؤكد أنها دولة تحترم اتفاقاتها، وعلى عكس الولايات المتحدة التي لا تحترم اتفاقاتها»، وأما ردود الأفعال من السعودية وباقي دول مجلس التعاون الخليجي فلم تعرف بعد، وإن كان من المتوقع أن تكون فرحة عارمة، والإحساس بنشوة الانتصار العارم.

أما عن تبعات هذا القرار الأحادي من جانب الولايات المتحدة، فإنه من المنتظر أن يصدر الرئيس ترامب حزمة عقوبات اقتصادية جديدة ضد إيران؛ مما يجعل الشركات الأوروبية في موقف لا تحسد عليه بين الاستمرار في التعاون الاقتصادي مع إيران، والمخاطرة بأن تشملها العقوبات، ويحجم من قدراتها على استمرار أنشطتها في الولايات المتحدة، وكان هذا محور مباحثات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في البيت الأبيض الأسبوع الماضي، ولكن ليس من المتوقع أن تمنع هذه العقوبات الاستمرار في تنفيذ الصفقات التي اتفق عليها من قبل، مثل صفقة الطائرات الإيرباص، وسوف تستكمل الصين شراء البترول الإيراني وتنفيذ مشروعات البنية التحتية في إيران، سواء التي تمولها الحكومة، أم تلك المرتبطة بطريق الحرير، وبالنسبة لروسيا، والتي تعد إيران حاليًا أكبر مشتر للسلاح الروسي، الذي يقوم بإحلال المعدات العسكرية للجيش الإيراني، فلن تعير اهتمامًا لتهديدات ترامب، والتي هي أيضًا واقعة تحت العقوبات الأمريكية.

على الجانب الدولي، إلغاء الاتفاق النووي مع إيران يجعل التوصل إلى اتفاق مع كوريا الشمالية أمرًا صعبًا للغاية، وربما سفر وزير الخارجية مايك بومبيو إلى بيونج يانج بساعات قبل خطاب الرئيس ترامب للالتقاء مع زعيم كوريا الشمالية كيم يونج أون، بهدف الإعداد للقمة المنتظرة، والاتفاق النووي، يجعل التوصل إلى اتفاق حقيقي أمرًا في غاية الصعوبة، وربما كان مستحيلًا، والجدير بالذكر أن لقاء بين الرئيس الصيني والكوري الشمالي قد حدث الأسبوع الماضي على الحدود الصينية الكورية، وهو الثاني في أقل من شهر وتبعه حديث تليفوني بين الرئيس ترامب والرئيس تشي، حول الترتيبات القادمة، له دلالات، غير أن الصين هي صاحبة النفوذ الحقيقي هناك مع وجود مؤشرات إيجابية ومحاولة إثبات حسن النية من جانب كوريا الشمالية، تتمثل في الإفراج عن ثلاثة مواطنين أمريكيين، كانوا مسجونين لديها، وعودتهم على طائرة وزير الخارجية بومبيو إلى طوكيو، ولاحقًا عودتهم إلى الولايات المتحدة واستقبال الرئيس دونالد ترامب لهم بصحبة السيدة الأولى ميلانيا في قاعدة أندروز الجوية في ساعة مبكرة من صباح الخميس الماضي، ولكن هناك مفاوضات أخرى تدور بهدف الوصول إلى نتيجة توافقية، وقد تكون صعبة الحدوث، حول نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، والتي تناقش قبيل لقاء القمة الأمريكي الكوري الشمالي المقرر عقده في سنغافورة يوم 12 يونيو (حزيران).

بالنسبة للدول الخليجية، فأتصور أن حصولها على عوائد أكبر من ارتفاع سعر برميل النفط هو مكسب مؤقت لها، وأن المواجهة العسكرية مع إيران إن اتخذت الولايات المتحدة القرار بذلك، ربما يزيد تلك العوائد، ولكن تكلفة تلك الحرب ومطالبتها بتسديد تكاليفها سيلتهم أي فوائض تتحقق من هذا الارتفاع، ويلتهم جزءًا من احتياطياتها، ولهذا لم يكن من المستغرب أن تهلل تلك الدول عن طريق وسائل إعلامها للرد الإسرائيلي على الهجوم الصاروخي الإيراني في الجولان تناغمًا مع البيانات الصادرة من القدس، وواشنطن، ولندن، وباريس، وبرلين، والتي تؤكد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد الهجوم الإيراني.

الخلاصة، المتشددون في الولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيران، ودول الخليج، هم أكبر الرابحين من هذا القرار، ولا عزاء للأوروبيين أو المعتدلين في المنطقة أو خارجها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد