نادرًا ما يتفق العرب على أمرٍ ما فهم مختلفون في قومياتهم ومذاهبهم وتوجهاتهم السياسية، بل إن الاختلاف هو أبرز ما يتفقون عليه إلا أنه – وعلى مدى عقود – ظل الدفاع ومناصرة القضية الفلسطينية أمرًا مشتركًا لا يجوز العدول عنه وتعد الدعوة لخذلانها كبيرة من الكبائر.

لقد كانت على هذه عقيدة المسلم والمسيحي وقومية الجميع. إن هذا الوصف للحال الذي نشأت عليه أجيال أصبح فيه من المبالغة أكثر من الواقع؛ فالشعوب العربية المطحونة يشغلها مضض العيش والصراع للبقاء عن نصرة عقيدتها – بقدر ما تستطيع – أما من كانوا ينافقون القضية فهم لم يعودوا يخجلون من إظهار ما كانوا في السابق يبطنون.

إن حقيقة أن فلسطين لم تعد قضية رئيسةً لتلك الشعوب المطحونة لم تحل من استمرارية كونها موضوعًا يكثر الكلام حوله، إلا أن ذكر فلسطين لم يعد بالضرورة للحديث عنها كقضية، بل صار كسلعة. فالمحوران المتحاربان في المنطقة العربية يستخدم كل منهما القضية الفلسطينية كسلعة بغية كسب الحرب.

إن الصنف الأول يرفع شعارات الدفاع عن القضية الفلسطينية و الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني ودعمه بغرض كسب تعاطف الناس لتمرير مشاريعهم التوسعية في المنطقة مستغلين بذلك بساطة الشعوب وإيمانهم بهذه القضية. كما أن هذا الطرف يسوق هذه الشعارات لتبرير جرائمه مدعيًا أن هذه السلوكيات، إنما هي للدفاع عن فلسطين وتحارب أعداء الفلسطينيين، على الرغم من أن هذا المشروع وما يترتب عليه من سلوكيات هي سبب في معاناة شعوب هذه الجماعات.

إن استخدام هذه الشعارات من قبل الجماعات السياسية ليس أمرًا مستغربًا كونه جزءًا من اللعبة السياسية، لكن ممارسات هذا الطرف لا يموت ولا يعاني بسببها سوى الشعوب العربية كسوريا واليمن والعراق ولا تزال القائمة تزداد طولًا. إن الطريق إلى فلسطين ليس عبر هذه الشعوب، بل على العكس فقد كانت نتيجة ممارسات هذا المحور ومشروعه أن انشغلت هذه الشعوب بمعاناتها التي فاقت معاناة الفلسطينيين فنست فلسطين بل وكفر السذج بهذه القضية وعليه خسرت القضية المدافع الحقيقي عنها وهو الشعوب العربية.

أما الصنف الثاني فإنه يستخدم القضية الفلسطينية كسلعة، لكن بالإساءة لها وتبني خطابًا يدعو للتخلي عنها لكسب رضا الخارج والظهور بمظهر الحضاري أو المنفتح. فالبنسبة للسياسيين فإن رفعهم شعارات التطبيع وتجاوز القضية الفلسطينية هي وسيلة ليحظوا بمكانة أعلى في الخارج مبررين أن هذه السياسات ستجلب الاستقرار والازدهار للمنطقة المضطربة أصلًا وستعينهم على خصومهم، إلا أن الواقع أنهم يبحثون عن تدعيم سلطتهم وضمان ديمومتها.

أما الإعلاميون والناشطون فهم إما يسعون من خلال تبني هذا الخطاب – المبالغ في التزييف والعداوة في بعض الأحيان – نفاق الطبقة الحاكمة لنيل رضاها أو للظهور بمظهر المحدثين أو الليبرالين المتصفين بالتسامح وقبول الآخر. إن هذه السياسات وهذا الخطاب ينم عن قصور رؤية وعقل أصحابها فالبنسبة للسياسيين فهي تضعف من قبولهم وسط شعوبهم وتثبت عليهم تهمة العمالة، ليس هذا فحسب، بل هي تخدم خصومهم الذين يتبنون شعارات الدفاع عن فلسطين لتبرير جرائمهم بإظهارهم بأنهم يحاربون أعداء هذه القضية فعلًا مما يزيد من المتعاطفين معهم. أما بالنسبة لهؤلاء الناشطين فإن هذا الخطاب يعطي البسطاء انطباعًا أن الانفتاح يعني الضعف والخيانة والتخلي عن القضايا مما يجعلهم يرفضون الانفتاح والتحديث بالجملة بما فيه من صالح وفاسد.

لا يوجد شك أن القضية الفلسطينية تمر هذه الأيام بمرحلة صعبة فمحاولات تصفية القضية تمضي على قدم وساق كما أنه لم يعد هناك حرج لدى كثير في إظهار تخليهم عنها، بل معاداتها. والأهم من ذلك أن الشعوب التي لطالما دافعت عن هذه القضية أصبحت منشغلة في صراعها للبقاء وأصبحت فلسطين تتخذ مبررًا لأفعال التي تتسبب بهذه المعاناة – وحاشى لها أن تكون. صحيح أن الصورة قاتمة، لكن فلسطين ستظل ذلك الضوء في كيان كل عربي أصيل يمكن أن يخفت، لكنه لا ينطفئ كما أن لفلسطين شعبًا ستحيي قضيتهم ما ظلوا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد