يميز فيلسوف الإسلام علي عزت بيجوفيتش بين الشعب والحشد، بحيث يكون الشعب أرقى من الحشد، فالشعب هو صاحب غاية يعيش من أجلها، أما الحشد فهو جماعة من الغوغاء لا غاية لهم، وقد يقودهم غبي ليس لشيء إلا لأنه أذكى الأغبياء.

وإن المتأمل لواقع المجتمعات العربية الإسلامية في «الغالب الأعم» يجد أنها لا زالت تعيش مرحلة الحشد، ولم تنتقل بعد إلى مستوى الشعوب الواعية التي تتحرك من أجل هدف سام، ووفق خطط مدروسة، تسخر كل الطاقات والإمكانات من أجل بلوغ الهدف المنشود، الذي لن يكون إلا «النهضة» إذا ما اتفقنا على أنها تعيش التخلف والانحطاط!

وإذا أردنا أن نستفيض في توصيف واقع هذه المجتمعات؛ فإنه من الممكن أن نطلق على المرحلة التي تعيشها بمرحلة «العبث الحركي» أو «الحركة العبثية» وهذا النوع من الحركة؛ هو أحط أنواع الحركة، التي يمكن أن يصطبغ بها مجتمع، بحيث تكون هناك حركة، و عمل دؤوب وهو ما لا يمكن أن يشك فيه أحد، لكنها حركة داخل سياج مغلق لا تنتج شيئًا، وإنما تبدد الطاقة الكامنة فيه.

فيمكن أن نلحظ داخل هذه المجتمعات حركات متنوعة، لكنها حركة دونية، ومن بين هذه الحركات نذكر:

حركة باتجاه الخبز: يمكن اعتبار «هاجس الخبز»، من أهم الهواجس المتحكمة في ذهنية هذه الشعوب، لأنها في الغالب تعيش الفقر، وهذا ما يمكن أن نلحظه في شعار الثورة المصرية سنة 2011 الذي كان «عيش، حرية، عدالة اجتماعية»، فأن يوضع «العيش» أي الخبز؛ في مقدمة شعار ثورة يقوم بها شعب، هو ليس من قبيل الصدفة، بل يعبر عن الهاجس الأكبر للشعب، ويوحي بالمكانة التي يحتلها هم الخبز لدى هذا الشعب، وإذا كانت الثورة المصرية صرحت بهذا الهاجس علانية، فإن باقي الشعوب العربية تتقاسم نفس الهم، وهو ما يمكن أن يتأكد منه أي إنسان بمجرد سماع أحاديث أغلب الناس خصوصًا من الفئات المهمشة.

حركة باتجاه الجنس: الجنس المجرد، حتى الزواج عندما يكون الهدف من ورائه الجنس يكون زواجًا جنسيًّا، وعادة ما يكون فاشلا ويككل بالطلاق قبل أن يدور عليه الحول ويكتمل الحمل، ولعله من نافلة القول في هذا الصدد التذكير بأن المجتمعات العربية تحتل مراتب متقدمة في البحث عن الإباحية والتحرش الجنسي؟

الحركة باتجاه المال: المال عصب الحياة؛ لكن عندما يتحول عن مكانته الذي جعل من أجلها ويصبح غاية في حد ذاته، فإنه يصبح من أكثر المعاول التي تهدم عملية بناء النهضة، فالمال في هذه المجتمعات مال مكدس في البنوك الأجنبية وهو عبارة عن أرقام جامدة، قلما تستفيد منه الشعوب في مشاريع من شأنها أن تحرك عجلة الاقتصاد.

الحركة باتجاه السلطة: السلطة هنا أو التسلط؛ يمكن أن يلحظ في تصرفات الحكام والرؤساء الذين يستأثرون بالكراسي، ويمكن أن يلحظ أيضًا في أصغر موظف في الشرطة أو في إدارة عمومية حيث تجد نزوعًا نحو الاستئثار بالسلطة ومحاولة الظهور بمظهر المتسلط صاحب الصلاحيات الواسعة.

إذا هناك حركة لا يمكن أن نتجاهلها، لكنها حركة عبثية، ومهما كان عدد الأفراد في هذا المجتمع، ومهما امتلك من مقدرات فإنه لن يستطيع أن يحقق نهضة أو أن يصنع حضارة .

فلنقل بأن هذا السياج هو سياح وهمي مضروب على العقل الجمعي، بحيث يحصر حرمة العقل وأفق تفكيره داخل السياج (الخبز، الجنس، …). مشكلة هذا السياج الوهمي أنه يعطي نوعًا من الطمأنينة البهيمية للمجتمعات التي تتصف به.

السؤال هنا: ماذا لو أرادت هذه المجتمعات أن تنتقل إلى مستوى الحركة الواعية؟

إن هذا السؤال من أهم الأسئلة التي شغلت العقل العربي منذ الاستفاقة الأخيرة فيما عرف بـ: النهضة العربية، والصحوة والحركات الإصلاحية… ولا زال هذا السؤال يطرح وبقوة، في دلالة على أنه لم يستنفذ كسؤال، وفي دلالة أيضا على أن العقل العربي لايزال يعيش نفس الأرق منذ قرنين، أي أنه لم يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام..(لست هنا أنكر بعض الجهود التي قدمت إجابات رائعة لكنها لم تفهم، ولم تستثمر في وقتها، أو لم يبن عليها فظلت حبيسة أوراق كتب أصحابها).

بالعودة إلى السؤال فإن الانتقال من العبث الحركي إلى الحركة الواعية أي «النهضة» لا بد وأن يمر بمرحلة مهمة وهي مرحلة:

سؤال الهوية: بحيث يقوم هذا السؤال، بتحديد حقيقة الذات الحضارية، لأن غياب حقيقة الذات الحضارية هو الذي رمى بهذه المجتمعات في دوامة الحركة العبثية،(الأسباب المؤدية إلى ذلك كثيرة آخرها الاستخراب والاستحمار)، وهو سؤال يعبر عن قلق وجداني في المجتمع، هذا القلق أو التوتر بحسب تعبير «مالك بن نبي» هو الحافز الأول لهذا المجتمع من أجل الخروج من السياج الذي داخله تتم الحركة العبثية، لأن داخل السياج لا توجد رحابة كافية من أجل الانطلاق في حركة مستقيمة، والحركة المستقيمة تحتاج إلى مساحة أكبر من الفضاء.

سؤال الهوية هذا هو ما يؤسس الفكرة الدينية التي تحدث عنها «مالك بن نبي» وهي ضرورية لقيام أي حضارة لكونها تشكل المحركة لعناصر الفعل الحضاري (الكون، الإنسان، الحياة).

فلنقل بأن سؤال الهوية عندما يطرح على نطاق واسع ويتولى «المبدعون» بحسب تعبير توينبي ترسيخ هوية حضارية تتميز بسمات خاصة تفصلها عن باقي الهويات الأخرى، يجعل من المجتمع يضع أولى الخطوات على طريق النهضة، لأن وضوح الهوية يؤدي إلى وضوح الطريق، ووضوح أدوات العمل.

بعد اكتمال مرحلة سؤال الهوية، تأتي مرحلة:

سؤال النهضة: فإذا كان السؤال الأول يحدد الشخصية؛ أي من نحن؟ وماذا نريد؟ ولماذا نريد؟ فإن السؤال الثاني يتمركز حول الأداة كيف؟: أي كيف ننهض؟: أي هو سؤال عن الوسائل، والأدوات، والثروات، والإمكانات، والطاقات التي يمكن أن توظف في عملية النهوض الحضاري.

هذا النموذج يمكن أن نلحظه في الحضارة التي أسسها الإسلام، فلو تأملنا فقط مرحلة تبليغ الرسالة أي 23 سنة، سنجد أن المرحلة المكية كاملة كانت تبني الهوية وترسخها في المسلمين الأوائل، والتي يمكن أن نسميها بـ«الهوية الإيمانية»، ثم جاءت المرحلة المدنية بخطاب النهضة المؤسس على الهوية الإيمانية، فكانت آيات القرآن التي تخاطب المسلمين بالفعل الحضاري في المدينة «يا أيها الذين آمنوا» أي أولئك الذين ترسخت الهوية الإيمانية عندهم افعلوا وافعلوا وكلها أفعال نهضوية بنائية تبني اللبنات الأولى للحضارة.

كانت الرؤية واضحة في الإسلام، لذلك استطاع أن يؤسس في ظرف وجيز حضارة سادت العالم زهاء العشرة قرون.

وهذا النموذج يمكن أن نلحظه في أي حضارة تستعد للولادة، بحيث تكون النقاشات الأولى كلها دائرة حول سؤال الهوية، وبعد أن يكتمل هذا السؤال يبدأ سؤال النهضة.. فتولد الحضارة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد