ريثما تلتئم جِراح المصابين، وتعود جلسات الحرافيش للحديث عن الشأن العام، ويخول للعامة حق الاطلاع والتصديق، وتخيم العناكِب على حُجرات الزنازين بحواصِل لا بأس بها، ويجوب الملل حق الاطلاع على أحاديث الرئيس من منطلق توقيع الخادِم المحتوم لاتفاقية حبلى لازدهار البلاد، وتتوقُف الصُحف عن بث أمل غير مُحتمل، ويعود فئران الوجهة إلى جحورهم، وتنمحي صور الفُكاهة المعدوم أمرها من على الشاشات، حتى يتطلب من الجماهير تصويت اختياري نحو برنامج عتيق لرؤيته.

وإلى حين تتوقف الخسائِر الجمعية لمؤشرات البورصة الوطنية، ويُعتلى في أسهُمها شركات خدمية بعيدًا عن شركات البحث عن توظيف لمستقبل غير مرئي. وإلى حين نبحث في القاموس عن مفهوم تكدير السِلم العام، ويُستنقى بتوريث جبري الرقي العام، وتجتنب الأرض على اكتناف جثث ضحايا مدنيين، قضيتهم الأولى نداء، والأخيرة لا تطلق الرصاص. وتمتلئ قفوص المواجهة بين الشعب ومنكسي الرؤوس، حتى يُطلق الحُكم دون تأجيل وتعويل لعدم كفاية أدلة، وتخلو الساحات من مأزق عام لأعيُن حيوانية ناظرة إلى أخوات آدميات، وتُنهي خِدمة الرقابة التأصيلية لكُل قيم، ويستعد الموظف العام لمواجهة رب عمل، حتى يُبتدر بمبدأ آخر غير حُسن سير السلوك ومجالس التأديب الجازِفة، ويحول للقضاء المستعجل الكروش المُتدلية للبحث عن مدارِك نموها، ويُلغى الفصل في إحالة مواطِن مدني لم يتسن له الطعن على حُكم عسكري، ويُلقى على سجن العقرب بأم القنابل، ويستبدل مسمى فخامة الرئيس لمسمى عزيزي الرئيس، وتنشأ وزارة مقدرات الدولة جانب إعلاء مُدخرات الدولة بجوار مؤشر الكثافة السكانية، ويختفي من السِجل البحث عن جراءة، ويستدرج بالبحث عن تهذيب الروح، وتعلو أبخرة القهوة الصباحية جانب أعيُن قارئة، ويُعطل مُنبة الصباح عن الإزعاج في الحادية عشرة ظُهرًا، ويُنتظر نسيم الفجر بضربات قلب مُتأهبة، وتكتمل قصص الحُب دون فراق، وتتوقف الأصابع عن كتابة تحت قواعِد جارحة للخيال الفسيح، وتصبح الكُتب كأعداد جورنال الصباح الوطني، وتتكاثر الروايات القائمة على عدم تهميش المرأة خلال وصف جزئي لكمال قصة حُب، حتى تصبح بطلة ذات شأن يجاورها شخصيات غير محورية.

وإلى حين تنخمِل القوة النووية، وتعود القوة العقلية، وتقضى إجازة الاستنزاه داخِل مكتبة تطوعية لمباشرة بحث تخلو معالم وجوده، وتؤجل مستنزفات الحياة ويُرتقى بمكتسباتها، وإلى حين العدوم لكُل ما هو غير محصول من أماني لا بد إذن مِن قوات تدخُل سريع.

العُكاز الأول والأخير: ضع كُل شيء فى مهب الريح كضمير يغيب عنه التأنيب.

توقف عن مشاهدة الأخبار الدورية، خصوصًا أن جميع أخبار الشرق الأوسط ترتقي لمستوى البؤس الوخيم، لا تُلق بالًا لنزاع مُسلح قد أهدر في معركته أرواحًا بريئة، بل ابحث عن السبب والمُسبِب إن وُجد، ثم استأصِل كُل ما يحيد بالمزاج عن الرفاهية. ترحم على ضحايا الوطن دون دموع، فالشوكة تُعاد تكرارها كُل يوم ولا أحد يحصي بالأعداد إلا أنت، لا تندرج مع موجة السُخرية من أحاديث الرئيس، فالاستهزاء يحمل معه يأسًا قاتِلًا لا تستشعِر به. تفاعل مع الأغاني الوطنية وإن كانت حرارتها لا تغدو حالة الانتماء الذى مررت بها في الصِغر. اجعل الجنون يعتليك، اضحك دون سبب حتى تحصل على سبب مرجوح للاكتفاء، فحدود التعقُل في هذا الزمان تحمِل معها صورًا من الجنون. ابحث عن ورقة بالية لتضع كلمة وتوقيعًا، أما الكلمة، لا شأني، وأما التوقيع، لا جديد يُذكر.

اقطف وردة باحتساب من خُضرة مُجاورة، ضعها على سطح مكتبك لثلاثة أيام أو أقل، بقليل دون ماء يُزهيها، ثم انظر بعد المُهلة كيف أصبحت وما كانت عليه دومًا في بُستانِها. هو حالك كذلك، إن لم يكُن لك بستان تخلُد فيها بعيدًا عن عالم زينته الضجيج، ستتآكل روحُك شيئًا فشيئًا حتى تُذبل بانطفاء.

ولا أجد لك أخيرًا يا عزيزي، إلا رُمحًا من خيال ترميه نحو باب واقِعك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد