لم يكن الحراك الشعبي في سوريا مجرد وليد اللحظة لما سبقته البلاد من سياسات قمعية تمثلت في إسكات المعارضين ومنع لأصواتهم وملاحقتهم وانعدام حرية الرأي والتعبير على مدى سنوات طويلة متواصلة منذ استيلاء الأسد على السلطة، والتي أدت إلى انفجار شعبي عرف فيما بعد بثورة الحرية والكرامة، كان سببها مجموعة من الأطفال كتبوا بعض الشعارات والكلمات المناوئة لحكم نظام الأسد على الجدران في المدارس، مارس مع نظام أجهزته المخابراتية أبشع أنواع التعذيب والإهانة ضدهم بسبب مطالبتهم بالحرية.

فمع نشوب ثورات الربيع العربي في الدول المجاورة وضعت سوريا قاب قوسين أو أدنى من ذاك الحراك القائم على التغيير وأحقيتها في بداية حياة سياسية جديدة ترسم ملامح خارطة طريق للعمل على إسقاط النظام وملاحقته بكافة رموزه وأشكاله التي اتخذها منذ عشرات السنين.

فكان قانون الطوارئ المعمول به منذ عام 1963 مع مجيء حزب البعث إلى السلطة، إحدى العقبات التي حددت الملامح القاسية للبلاد ترتب عليها انعدام الحريات واتخاذ الشكل العسكري، وسيطرة الأقلية على زمام الأمور والحكم في السلطة أعدمت فيها الحياة السياسية وما يرافقها من تنوع ثقافي أو نشاط حزبي من شأنه التمثيل السياسي والبرلماني للشرائح المختلفة في المجتمع ومنافستها في برامج التنمية والانتخابات الحقيقية الحرة النزيهة والوصول إلى الحكم بطرق ديمقراطية يختارها الشعب من خلال ممثليه وصناديق الاقتراع وحق الترشح، بما يفرضه واقع السياسة المتغير الذي انحصر ضمن شعارات وبرامج الإصلاح الوهمية لنظام الأسد دون الرجوع إلى سيادة الشعب أو سلطة القانون التي تقضي بعزله ومعاقبته لتغييبه الرأي العام للأغلبية وتهميش أحقيتهم في ذاك التمثيل السياسي المغيب منذ أعوام طويلة نتيجة ممارسات نظام حكمه في البلاد.

باتت تلك الانتخابات الزائفة بشكل أو بآخر بيد نظام الأسد ومرهونة ببقائه وبقاء نظام حكمه وأجهزته الأمنية في السلطة من دون النظر إلى واقع المجتمع ومكوناته العلمية والثقافية وما تفرضه من متطلبات التنمية الدائمة وبقائها على شكل وعود إصلاحية فارغة المضمون حتى إلى ما بعد الثورة السورية تقوم على واقع صوري وانتخابات شكلية تفرضها سيطرته العسكرية لتغطية نفقات خطاباتها المهرجانية على حساب التعدد الفكري والسياسي للحريات العامة وحريات وسائل الإعلام ومدى تنوعها ووجودها على الساحة السورية والتي ما زالت تمارس على حدود بعيدة فرضها الواقع السياسي نتيجة وجود الأسد في السلطة وبقائه في الحكم، والتي عبرت عن ذاك الانفتاح الثقافي من مراحل تطورها وتجربتها للحرية وحركة الشعوب الديمقراطية ومهدت لوجودها وآلية عملها في المناطق المجاورة البعيدة عن سيطرة نظام الأسد ومكوناته المخابراتية.

كان من ضمن تلك السياسات القمعية مزيد من التعقيد في سوء الأوضاع الأمنية وتردي الأوضاع الاقتصادية نتج منها جمع ثروات البلاد وتراكمها بيد قلة من النظام خلال فترة حكمها وحصر إيرادات وممتلكات الشعب بيد مجموعات أقلية أخرى من داخل النظام نفسه وشبكات اقتصادية وتجارية تدور حوله عملت من خلال استغلالها للسلطة في القضاء على الطبقات المنتجة والعاملة واستبدالها بطبقة الولاءات والتزايد الواضح لقلة توافر فرص العمل، وزيادة نسبة معدلات الفقر في بلد يعتمد دخله على الزراعة، وما تبقى من ثروته يذهب إلى خزينة سلطة حاكمة تدعم عملياتها الأمنية وآلتها العسكرية لقمع الشعب ومصادرة إرادته، بالإضافة إلى تراكمات عديدة تحمل أعباءها الشعب في سوريا بالدرجة الأولى مثل علاقاته مع الدول الإقليمية ودول الجوار ترتب عليها تزايد في سوء الأوضاع المعيشية ظهرت نتائجها فيما بعد منذ بداية السنوات الأولى لنشوب الحرب وصل فيها إجمالي من يتلقى المساعدات أو من هم بحاجة إلى ذلك إلى نسبة 90% من عدد سكان البلاد مع حركات النزوح واللجوء والهجرة المستمرة.

كما كانت حاجة الشعوب للتغيير والعيش في حالة التجربة الديمقراطية للحكم من دواعم أسباب الثورة أسوةً ببلدان المنطقة وما قامت به من تغييرات أرست لها الأرضية الأساسية في الرغبة الملحة في التحول من نظام السلطة الشمولية إلى سلطة بناء المؤسسات والدولة الحديثة، التي تقوم على أسس العدالة والحرية في اختيار الحكم تحترم فيه إرادة شعوبها وتقوم على مبدأ المساواة والاستجابة لمتطلبات النهضة الحديثة للشعوب وبناء أوطانها، والتخلص من قبضة الأنظمة القمعية الحاكمة وتحكمها في صناعة اتخاذ القرارات وطرق صياغتها وشكلها وبما يعود منها نفعًا لتلك الحركات والاحتجاجات الوطنية والشعبية القائمة.

تزامنًا مع ما يحدث من رياح التغيير ومواكبتها للأحداث وتوفيرها للبيئة الشعبية الحاضنة التي تقتضي بعملية استئصال جذري للأنظمة الديكتاتورية بدءًا من الهرم الأعلى لتلك السلطة القابعة وراء أقبية التعذيب وعقليتها الأمنية المتخلفة في استخدام طرق العنف والإفراط به التي زجت بمئات الآلاف ممن طالبوا بالحرية في السجون والمعتقلات.

أدت إلى تأجيج الصراع وتوسع رقعة انتشاره في التصدي لتلك الممارسات من آلة القمع والطغيان وسياساتها الداخلية والخارجية القائمة على البلاد، جعلت منها مفترقًا للطرق من التحالفات والتقاطعات السياسية الصعبة دفع ثمنها أبناء الشعب من حيث عدم انسيابها مع طبيعتها ووجودها الجغرافي والمكاني، أبعدت الكثير من السوريين في السياسة من دائرة المشاركة في صنع القرار واتخاذه وطرق التعبير عنه من حيث حريته وحرية استعادة حقوقه وممتلكاته الشرعية والمدنية.

كما عملت تلك التكتلات من التحالفات الإقليمية والدولية على نزيف المزيد من الدماء من خلال المجابهة العسكرية بالدبابات والأسلحة الثقيلة، بدلًا من أن تعمل على حماية حدود الشعب والدفاع عن مصالحه فيما لو كانت تعود له بالنفع تلك التحالفات، من تحقيق مبدأ الحرية والعدالة الذي غاب عن المشهد في سوريا منذ سنوات طويلة أرهقت البلاد وساكنيها من تلك الشعارات ومضامينها الفارغة، التي لم يتحقق منها شيء سوى المزيد من القمع وقتل الحريات وتفضيل المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة، وما تفرضه حركة العصر من عجلة البناء والتحرير الوطني والشعبي المستمر للنهج السائد القائم في البلاد منذ بداية السنوات الطويلة للأسد في السلطة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد