من الكهف كانَ النّور، ينتشرُ ولا يلجَم، ينير دربَ الفتيةِ في زمنِ الفتَن والشّطط، سورةُ الكهف نورٌ للفكر، دليلٌ للسّلوك، فيها 3 إستراتيجيّات، أدناها عندَ الاستضعاف، وأقصاها عند النّصرِ والتّمكين، وما بينهما عند الاستقرار والتّوازن، هذه الإستراتجيات الّتي نعرج عليها كلّ جمعة هي دليلٌ للمسلكِ الّذي يجبُ السّعيُ فيه حسب الواقع الّذي نعيشه.

 تبدأ السّورة بالاستضعاف، بشباب مؤمن واعد، حاملٍ للأمانة، مثقلٍ بها، تبدأ بقلّةٍ تسعى لإتمام الحقّ، وإزهاقِ الباطل. إلى الكهف كان فصل الحكاية الأوّل، لكنّه لم يكنْ كهفًا عاديًا، بل كان الكهف، كانَ المكانَ القصيّ الّذي اتخذه الفتيةُ منْ مجتمعٍ شطّ شِركُه على إيمانه، وفسادُهُ على صلاحِه، كانَ الملاذَ الّذي آوَوا إليه خوفًا من بطشِ حاكم، والمكانَ الّذي اعتزلوا فيه النّاسَ بحثًا عن رشدٍ وحكمة، لم يكن الكهفُ صومعةً، ولا غارَ تعبّدٍ وتصَوُّفٍ سلبيّ، بل كان المقرّ للتّباحث، للتّخطيط.. . وكانَ الفتيَةُ الثوار السّاعون لدكّ أصنامٍ ونسفِ أوهام عكفَ لها النّاسُ دهرًا وعبدوها كما فعلَ آباؤهم.. سلطانها الوحيدُ أنّها إرث وأنّ كلّ موروث حقيقة مؤكّدة! كانوا الثّوارَ على مسلّماتٍ بالية ومعتقداتٍ سبخة، حملوا نورًا وسألوا الله صبرًا ورشدًا، فعزموا المبيتَ في الكهف، لا هروبًا بل إعدادًا.. لكنّها مشيئة الله، ناموا ليستقيظ قومهم، لينقسموا حزبينِ بينَ مؤيّدٍ للفتية ومعارضٍ لهم، بين ثائرٍ، خائفٍ وكافر بالفكرة! بمشيئة الله تحوّل انكماشهم التكتيكيّ إلى تراجعٍ استراتجيّ حتّى يحكم الله ويتمّ كلمته.

ثمّ تنتصفُ السّورة، فتتوازن القوى، هنا غدتِ الحجّةُ هي الأداة الفاعلة، وصاحب البيّنة يمتلكُ الورقةُ الرّابحة، وتحوّل الصّراع إلى صراعٍ فكريّ أكثرَ منه جسديّ. ونرى هنا مثَلَيْن للحوار، أوّلهما في قصّةِ صاحبِ الجنّتين، والخصمانِ هنا متنافسين، لكلّ منهما فكرهُ الخاص، رؤيته وفلسفته – حقّا كانت أم باطلًا – وهذا التّصادمُ في الأفكارِ كانَ بينَ الماديّ البحت، الّذي يقيسُ الرّبحَ والخسارة بميزان الدّنيا، ومقدار ما جمّع من مال، وعبأ من بشر، وملكَ من شجر وثمر، وفي المقابل كان الإنسان الّذي لا ينفي أهمّية ما سبق، لكنّه بفطرته يدركُ أنّ الخلود والعزّةَ لا تكون بزخرف الدّنيا، فهذه دار زرع وغرس والآخرة دارُ الحصاد والجزاء بمقدار العمل، لا بميزان الذّهب والولد. وتختتمُ القصّةُ بزوال نعيمِ الدّنيا فزينتها لعبٌ ولهو، هشيمٌ تذروه الرّياحُ إن لم يعمّر على أركانِ الصلاح والإيمان ركنيّ الثّبات والتّمكين.

 وثاني القصّتين، رحلةُ كليمِ الله موسى عليه السّلام مع العبدِ الصّالح، وهيَ رحلةُ علمٍ ورشد، «هل أتّبعك على أن تعلمني مما علّمت رشدًا» فكلا الصاحبين يتشاركُ الرّؤية العامّة، فكلاهما مؤمن، وكلاهما مختار، بيد أنّ الكفّةَ ترجحُ لصاحبِ العلم، بل وترفعُ مقامه، فالعبدُ الصّالح الّذي أوتيَ رشدًا وفضلًا كان أوسعَ نظرًا، وأزكى نفسًا، فغدا أكثرَ حكمةً وأقلّ اندفاعًا من صاحبِه الرّسول! وتبرزُ القصّةُ من جهة مشقّة التّعلّمِ وتنميةِ الرّشد، فالرّحلةُ تتطلّبُ مجاهدة للنّفس المخلوقةِ من عجل، لكنّ الرّشدَ وتوسيعَ مجالِ الرّؤية يشترطُ على المتعلّمِ اصطبارًا وجلدًا! ومن جهة أخرى تؤصّل مكانة العلم وتري أصحاب النّفوذِ والعروشِ أنّ مشورة صاحبِ العلمِ واجب، وسؤال أهلِ الذّكر والاختصاص ضرورة لتوسيع رقعةِ المعلوم، والمنصب وحده لا يجعلُ الملك أعلم النّاس ولا أفقههم.

 تختَتَمُ السّورةُ بالتّمكين، فمن فتيةِ في الكهفِ، لا حولَ لهم وطول، إلى ذي القرنينِ يملِكُ البقاع والأقاصي. بيْدَ أنّ حُكمَ ذي القرنين يختلفُ عن سطْوَةِ حاكم الفتية. قصّةُ تمكين ذي القرنين في الأرض، دليلُ المؤمنينَ ورثةِ الأرضِ يومَ النّصرِ. فذو القرنين أخذَ بالأسباب لبسطِ الحكم، ولم يغنِه النّصرِ الإلهيّ عنها، ولم يطغى لمّا استغنى، بل فتحَ المشارق والمغارب، وحكم بالعدلِ والإحسان، فالثّوابُ لمن أحسن والعقابُ لمن ظلم، وشاركَ علمَه وقوّته مع سكّان العالم النّائمِ النّامي «قومٍ لا يكادون يفقهون قولًا»، عانوا بطشَ قومٍ فاسدين مفسدين، وطلبوا معونة دولةِ ذي القرنين – القطبُ الثّاني في العالم – فقبلَ، لكنّه بعكسِ الملوك ذوي التّيجانِ واليد العليا، لم يستعبدهم، ولم يكبّلهم بشروطَ مجحفة تزيدهم ذلّا ومسكنة، بل ساعدهم وعلّمهم الطّريقة لسدّ الثّغر الّذي ينسلُّ منه المفسدون العابثون «أعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردمًا».

الكهف نور لأنّها ترينا نحنُ فتيةُ الكهف، أنّ الاستضعاف متى ما صاحبَ الإعداد والإيمان، وتأزّر بالعلمِ والعمل ربا ونما، وأنبتَ الغرسُ تمكينًا في الأرض، بيد أنّ هذا الاستخلاف يكونُ للإعمار لا الإستعلاء.. هو إذًا استخلاف تكليف لا تشريف!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد