تكررت على مسامعي الفترة الماضية جُملة تُخبرـ باختلاف صياغتها ـ أن الإحساس والبهجة برمضان ليست كالسابق.

كان الأمر مفهومًا ـ أو هكذا أعتقد ـ بالنسبة لي؛ عمومًا في عصور المِحن والأزمات تتغير نظرة الناس لكل الأمور وتكون الفرحة دومًا منقوصة، فما بالك إذا حلّ رمضان وفرد ما غائب ـ غيابًا مؤقتًا أو دائمًا ـ أو عائلة مشردة أو غيرها من المآسي المعاشة في مصر الآن. كما أننا فقدنا فيمن فقدنا من هم أهل لإمامتنا في الصلاة أو تفسير القرآن أو إفهامنا أمور ديننا، وفقدنا الداعي ولم نكن نُدرك منذ البداية بعض سنن الله الكونية ولم نتصالح مع نواميس الكون ولم نفهم أن يومًا سيغيب المُربي، فلا صرنا مثلًا نجد مساجد للتهجد والتراويح نؤمّن فيها وراء داعٍ بيقين وخشوع ولا نحن نُحسن الدعاء والعبادة تمامًا وحدنا. لو أن هذه المشكلة فهذا أمر مقبول ومفهوم نوعًا ما.

أما أن تكون مشكلة روح رمضان الغائبة في حديثِ الجميع عن غياب أشكالالاحتفال برمضان كغياب الفانوس والزينة والمدفع، وغياب العزائم لسوء العلاقات الاجتماعية وتكدس التلفاز بالمسلسلات الغير هادفة أكثر من الهادفة وعدم وجود فوازير رمضان واختفاء نجوم رمضان من التلفاز أو أن بكار قد كبر، وإلخ فهذا ما لا أفهمه أبدًا.

ألم تكن المظاهرُ هذه للاحتفال برمضان، أم أنّنا نحتفل برمضان لأجل هذه المظاهر؟!

 

كنت أعتقد أنها مجرد مظاهر احتفال لمسلمين كان سلفهم ينتظرون رمضان بشوق وشغف 6 أشهر ويبكون فراقه بعده، بل قد قال أحد السلف عن السلف رحمهم الله: ” كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم “.

وقال أحدهم أيضًا: كان من دعائهم: “اللهم سلمني إلى رمضان، وسلم لي رمضان، وتسلمه منى متقبلًا” حينما كنت أستمع لآراء كثيرة بأن هذه المظاهر كلها بدعة وغيره، كنت أعتقد أن احتفال النفس برمضان لقدسيته وعظم شأنه في نفوس المسلمين، فما المانع من أي مظهر من مظاهر الفرحة؟ لكن الأمر لم يصبح كذلك.

الناس في بلادنا يقدسون العادات ويُهملون العبادات، يحتفلون للمظاهر لا للشيء، فالفانوس مثلًا فكرة قد نشأت أصلًا حينما كان الخليفة الفاطمي دائمًا ما يخرج إلى الشارع في ليلة رؤية هلال رمضان لاستطلاع الهلال وكان الأطفال يخرجون معه يحمل كل منهم فانوس ليضيئوا له الطريق وكانوا يتغنون ببعض الأغاني التي تعبر عن فرحتهم بقدوم شهر رمضان، وهناك رواية أخرى أنه حينما أراد أحد الخلفاء الفاطميين أن يجعل كل شوارع القاهرة مضيئة طوال ليالي رمضان فأمر شيوخ المساجد بتعليق فوانيس على كل مسجد وتتم إضاءتها بالشموع.

ورواية تُخبر بأنه لم يكن يسمح للنساء بالخروج سوى في شهر رمضان فكن يخرجن ويحمل كل طفل فانوسًا أمام كل امرأة لينبه السائرين لوجود سيدة في الطريق حتى يبتعدوا، مما يتيح للمرأة الاستمتاع بالخروج ولا يراها الرجال في نفس الوقت. أو رُبما حين قدوم الخليفة الفاطمي إلى القاهرة قادمًا من الغرب وكان ذلك في اليوم الخامس من شهر رمضان لعام 358 هجرية، حين خرج المصريون في مواكب من رجال وأطفال ونساء حاملين الفوانيس الملونة لاستقباله.

قد تكون أيٌ من هذه الروايات هي أصلُ انتشار الفوانيس، لم يكن الفانوس هو رمضان، لكنهم كانوا يفرحون بقدومه فيُشعلون القناديل هذه.
نحن لا نفرح فنشعل الفوانيس، نحن نفرح لأننا نشعل الفوانيس، في حين أنّنا لا نملك خليفة ولا السيدات يحتجن إلى أن تنار طرقهن ولا أطفال الأيباد سيلهون بالفانوس، فقدنا إحساس العادة ففقدنا العبادة.

ليست مشكلة غياب روح رمضان فيما حولنا، ربما تكون في عدم وجود “فوانيس” بشرية فعلًا حولنا، وربما تكون في غياب “فانوس” الإيمان داخل النفوس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد